الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

الإنسانية والإسلام

بعض ممن يدعون حق هداية الناس وتوجيههم إلى الطريق المستقيم الذي لا يحيد عند إلا هالك، بحسب زعمهم، يظنون أن الإسلام قالب لا نبض فيه وجسد لا روح فيه، بالنسبة لهم هو مجرد أوامر، افعل ولا تفعل، أو مجرد عبادات، حركة فسكون، أو مجرد طقوس تؤدى في أوقات معينة، يؤديها البدن ولا يخشع معها القلب.. ذاك هو الإسلام الذى يدّعون الدعوة إليه والذود عنه، بدن خواء بلا نبض، وحركات وسكون لا ترى فيها الروح. وهؤلاء الزاعمون نسوا أن الإسلام دين مبادئ بالأساس، دين قيم وأخلاق من طراز رفيع، دين جاء للإنسانية بأسرها، جاء لينشر مبادئ التعايش والسلام والتراحم والأخوة قال تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير». نداء عام منهجه التواصل مع الجميع، عنوانه الشمولية، دعوته الأخوة والمحبة، ثم عدم التخوين. فالحساب في النهاية مكفول لله وحده، صاحب الكون، وصاحب العطايا، ورب الفضل. والعلاقة بين الإنسانية والإسلام علاقة الجزء بالكل، فالإسلام جزء من الإنسانية، الإسلام بمبادئه، بدعوته إلى الأخلاق والتسامح هو جزء من مبادئ الإنسانية. والإنسانية هي الفطرة التي تقر السلام والأمن والرحمة، وهي الدعوات ذاتها التي جاءت بها جميع الأديان، رحمة القوي بالضعيف، وعطف الكبير على الصغير. يبدي لنا القرآن الكريم تلك المبادئ الإنسانية، فيقول الله عز وجل «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس».. ذاك هو الخير وذاك هو مقصود الدين، الأمر بصدقة لتسود العدالة المجتمع، وصنائع المعروف ليتكافل الجميع، والإصلاح بين الناس ليعم السلام والأمن.. والمعنى ذاته يجليه لنا القرآن الكريم في آيات عديدة وسور أكثر تعدداً، فلقمان الحكيم يوصي ابنه قائلاً «يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور».. حتى الصلاة، ما هي إلا قربى من قربات مبادئ الإنسانية.. فإذا لم تكن كذلك فقدت قيمتها، ويكفي في ذلك قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له»، وعن امرأة تؤدي طقوس العبادات ولكنها تنتهك مبادئ الإنسانية بإيذاء جيرانها، قال عليه الصلاة والسلام «هي في النار». ومقصود ذلك أن العبادات ذاتها التي أمر بها الإسلام إنما جاءت لتعضيد مبادئ الإنسانية والشد من أزرها، فليس المقصود من الصلاة الحركة والسكون إطلاقاً، ولكن المقصود الرئيس استشعار عظمة هذا الخالق والثقة في قدرته وفي مراقبته، وأنه سبحانه سميع بصير، علي قدير، يعلم ما كان وما سيكون، بل ويعلم ما تخفيه الصدور. بهذه المشاعر يتطهر القلب وتصفو السريرة وتسمو الأخلاق وتتقلص في النفس البشرية شرورها، فيصبح الإسلام طريقاً لتحقيق مبادئ الإنسانية. ومبادئ الإنسانية فرض عين، ولكن الإسلام ليس فرض عين، فقاعدة التخيير قائمة إلى قيام الساعة «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر».. لا إجبار لأحد على الإسلام، ولا إكراه لأحد على عقيدة بعينها. ولكن الإجبار كل الإجبار لكل شخص على اتباع مبادئ الإنسانية لأنها تُعد بمثابة عقد اجتماعي، فالآخرون عليهم احترام حقوقك ما احترمت حقوقهم، وعليهم صون أمنك ما صنت أمنهم.. هكذا تكون مبادئ الإنسانية، تللك المبادئ التي أسس لها الإسلام، بل أسست لها جميع الأديان من قبل. الإسلام يأمر بالأخلاق ويدعو إلى الفضيلة والقيم والحب واحترام تلك المبادئ العظمى للإنسانية.. حتى فرائض الإسلام كلها خرجت من مشكاة الإنسانية وللإنسانية، فالزكاة فريضة للتكافل الإنساني، للرحمة والتعاطف، والصوم فريضة لاستشعار معاناة الفقراء وحاجاتهم وعوزهم، ثم خرجت الدعوات الأخلاقية التي تحوم حول هذه الفرائض لتمتلئ بها صفحات القرآن الكريم، بدءاً من قول الكلمة الطيبة «ومثل كلمة طبية كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها». حتى الكلمة الطيبة من أخلاق الإسلام، ومن مبادئ الإنسانية الإحسان إلى الناس والرحمة واللين، وذاك الأمر القرآني الرقيق للنبي الذي يفيض رحمات على بني البشر «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك».. «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين». الإسلام دين رحمة، والإنسانية مبادئها الرحمة.. الإسلام لا يعترف بمن يقيم فرائضه وينتهك مبادئه لأنه لا إسلام بلا مبادئ، كما أنه لا إسلام بلا فرائض. لقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.. هكذا أبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يقل دخلت النار لإعراضها عن الفرائض، ولكن ما أدخلها النار سوى انتهاكها مبادئ الإنسانية. وفي المقابل، يدخل رجل الجنة في كلب سقاه لأنه أقام مبادئ الإنسانية، ثم يضع النبي الكريم التعريف الجامع المانع للمسلم فيقول «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده».. لم يعرفه بأنه من يصلي ويصوم، فالفرائض تزول قيمتها إذا ما انتهك صاحبها المبادئ.. لأن هذه الفرائض ذاتها ما جاءت إلا للارتقاء بهذه المبادئ.. فالمبادئ أصل وليست فرعاً، وعلاقة المبادئ بالفرائض علاقة لا تنفصم عراها أبداً. فهل يدرك بنو البشر تلك العلاقة، هل يدرك المسلمون أن الإسلام ليس مجرد طقوس وعبادات، وإنما هو ارتقاء بالروح وسمو بالأخلاق أولاً وقبل كل شيء.. إذا ما تغير المفهوم المغلوط عن الإسلام، فالتغيير سيعم الدنيا بأسرها، وكان ربك قديراً.
#بلا_حدود