السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021

صيانة (التطفيش)

علاقة المؤجر بالمستأجر علاقة أبدية أزلية، فمنذ القدم وحتى الآن، وفي المستقبل على ما أظن، هي العلاقة ذاتها. كانت ومازالت هذه العلاقة تحتفظ بكل تفاصيلها وبالأخص مشاكلها، فشكاوى المؤجرين هي ذاتها على مر العصور، وشكاوى المستأجرين أيضاً هي ذاتها على مر العصور. وأنا هنا لن أتحدث عنها بالتفصيل ولن أشرحها، فكلنا يعرفها، فنحن إما مؤجر أو مستأجر، ولا بد أننا مررنا بأحد الحالين أو كليهما. ولا ريب، فدخول الإنسان في هذه العلاقة كالقفز في وسط البحر، وفي أحسن الأحوال لن يخرج إلا مبتلاً. ولكني سأتوقف عند قضية مهمة جداً وهي الصيانة. وهذه المعضلة الأزلية التي تزداد مع الأيام، فالعقار كلما ازداد في القدم زادت مشاكل صيانته، والمستأجر يطالب ويطالب، والمؤجر يطنش ويطنش، وهنا تتبلور المشكلة الحقيقية وتنمو وتزدهر وتأخذ وضعياتها. كثير من الملاك ومديري العقارات لا يريدون أن يتفهموا أن العقار لا بد أن تتم صيانته بين فترة وأخرى، ومرة بعد مرة، فالعقار غير متجدد بطبعه ولا بطبيعته، فهو ليس كائناً حياً، ولا يتغذى على الطاقة الشمسية ولا يقتات من باطن الأرض. وكي يستمر العقار بحالته الجيدة، ويبقى محافظاً على نفسه، قبل أن يحافظ على سعره في السوق لا بد أن يخضع لإجراءات الصيانة. لعل القائمين على التأجير يفهمون هذا المنطق وقد لا يفهمونه، لكنهم في كل الأحوال لا يطبقون منه إلا قليل القليل، فجيبهم يعاني أشد المعاناة من مشكلة وجود مدخل كبير دون مخرج، فما يدخل بسهولة لا يخرج إلا بشق الأنفس. ويبقى المستأجر حائراً حيال هذه المعاناة، فالمبلغ الذي دفعه ثمن الإيجار ليس بالقليل، مع الاتفاق على الصيانة الدائمة كون العقار لمالكه، وسيعود لمالكه عند انتهاء العقد، وما للمستأجر إلا المنفعة من العقار دون الاستفادة من عينه. فإما أن يسكت على بعض المشاكل التي لا تعتبر جوهرية في أصل البناء، أو أن يدفع من جيبه لقاء راحة باله، وإما أن يلبس ملابس الحرب ليدخل معركة طلب الصيانة، ومن طلب العلا سهر الليالي. والملاك ومديرو العقار لا يشغلون بالهم كثيراً بصيانة العقار بقدر ما يهتمون بصيانة التطنيش، ولها من الأشكال والألوان الشيء الكثير. فطلب الصيانة يبدأ بالاتصال على هاتف المكتب، الذي لا يجد من يسعفه بالرد عليه، وبعد محاولات عدة، يمن الله بأن يرد عليك أحدهم، لتتنفس الصعداء، لكن لا يلبث أن يخبرك بأنه ليس الشخص المعني بالأمر، وعليك الاتصال مرة أخرى، لأن الشخص المطلوب خارج المكتب حالياً. وبعد محاولات عدة تصل إلى الشخص المطلوب، ليأخذ منك كافة المعلومات ويعدك بالاتصال بك، ولكن دون جدوى، لتعيد المسلسل وتمسك الشخص المسؤول متلبساً بضرورة الاستجابة لك، ويرسل هذا الشخص الطلب إلى مسؤول الصيانة لديك، ليخبر بدوره فني الصيانة الذي يوهمك أن لديه من المسؤوليات ما يفوق مسؤوليات الأمين العام للأمم المتحدة شخصياً. ويشاء الله ويجد الفني متسعاً من الوقت ليمر عليك بعد انتظار، ليخبرك أن مشكلتك تستدعي تبليغ المهندس المسؤول، ويتم تبليغه ويمر عليك الفني مرة أخرى ليخبرك بضرورة طلب قطع غيار، ليمر عليك أيضاً مرة أخرى. وتارة يأتي الساعة السابعة والنصف صباحاً، وتارة يقول إنه جاء ولم يأت، وهكذا. إنها صيانة التطنيش المفضية إلى صيانة التطفيش، وهو الفن الذي يتقنه جيداً الكثير من العاملين في العقارات.
#بلا_حدود