الأربعاء - 23 يونيو 2021
الأربعاء - 23 يونيو 2021

حلم الهجرة إلى الخارج

عندما يشعر مواطن في بلد ما بأنه يعيش واقعاً حزيناً ومؤلماً، فسرعان ما ينتابهُ شعور وطموح أن يغير هذا الواقع، ويبحث عما هو أفضل، وأحياناً ينجح ويتحقق الحلم، وأحياناً يفشل ويتمنى أن يرجع إلى حيث البداية. والمواطن العربي عبر زمن طويل قد عانى في بعض الدول حقبة مظلمة واحتلالات بربرية وحكومات دكتاتورية مقيتة، فكانت أبشع وأفظع من البشاعة نفسها، لذلك عندما يفكر المواطن في التخلص من واقعه ويشد الرحال إلى أي وطن آخر، فعليه أن يفكر أولاً في حالة فشله بالوصول للهدف أن يكون مصيره الموت. بعد الحروب والمشاكل والاضطرابات الداخلية في بعض الأوطان، وكلما سارت الأحداث فيها من سيئ إلى أسوأ، زاد التفكير عند البعض بالهجرة من وطنه، والشخص الذي يهاجر ويصل إلى أي بلد في الغرب يفكر بعد ذلك بأن ينقذ عائلتهُ وأقاربهُ وأصدقاءهُ، وتبدأ الرحلة الشاقة ويتحول المهاجر إلى بضاعة تشترى وتباع بين المهربين من جهة وبين قسوة الأقدار من جهة أخرى. فالمركب الذي كان متجهاً من الإسكندرية وغرق قبل فترة، وهو لم يصل إلى مبتغاه، غرق وغرق معه حلم الأشخاص الذين كانوا على متنه، والذين رفضوا العيش في حياة مليئة بالحروب والاضطرابات، فكسروا حاجز الخوف وتحدوا الصعاب وأبحروا ضد التيار، ولم يكن في حساباتهم أن هذه الأجساد ستكون وجبات لسمك القرش. وهذه الحادثة تناولتها وسائل الإعلام، أما التي لم تعرض على وسائل الإعلام فكثيرة. حجم المأساة التي حلت بهؤلاء أكبر من حجم الإعلام نفسه، فكل مواطن فكر بالهجرة للغرب يحمل معه قصة، والحقيقة لن يعطي وصفاً حقيقياً لقصته ما لم يكن هو جزءاً من الحدث. قبل أيام تحدثت مع صديق فلسطيني يقيم في النرويج، ومن الأحداث التي رواها لي والتي بقيت في ذاكرته أثناء رحلة الهجرة نحو المستقبل المجهول، تلك السيدة اللبنانية التي تعرف إليها أثناء إبحاره من سوريا إلى إيطاليا ومن ثم للنرويج. فيقول هذا الصديق: لقد كانت تلك المرأة على أبواب ولادة فتحدت الصعاب وأصرت على أن تكمل مشوارها وتتابع الطريق رغم أنوف المهربين، وفي رحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر والصعاب، وفي زاوية ما بالمركب الذي كان يقلنا حدث ما لم تكن تتمناه، فهذه السيدة التي تحمل بين أحشائها الابن البكر، وبالتأكيد لطالما حلمت طوال تسعة شهور وهي تنتظر بشوق لحظات الولادة، ولم يخطر ببالها أن القدر قد كتب على هذا المركب، فتمت الولادة على ضوء قداحة تشتعل أحياناً وتنطفئ أحياناً، وربط الحبل السري للجنين بخيوط أحد الأحذية. وبعد أن وصلنا تقريباً إلى السواحل الإيطالية، لم يصدق المهربون وعددهم خمسة ما رأت أعينهم، لأن عدد الركاب قد زاد واحداً عندما وصلوا إلى إيطاليا، وبعد أن أجروا تعداداً للمهاجرين على مركبهم، عندما انطلقوا من السواحل الليبية، لأنها استطاعت أثناء الصعود لسطح المركب، أن تخفي مظاهر الحمل وعرف المهربون لاحقاً أن سطح مركبهم المعد للتهريب فقط قد أصبح هذه المرة صالة عمليات ولادة. ويضيف صديقي: المهم في الأمر فيما بعد هو أن أي مهاجر بعد أن يصل إلى أي بلد أوروبي ويتحقق له الحلم الذي لطالما انتظرهُ يبدأ بمراحل يمر بها بشكل ترتيبي، وتكلم لي عن تجربته المتواضعة التي مر بها في النرويج، ففي البداية يسجل اسمه عند دائرة الهجرة النرويجية، ومن ثم ينتظر المقابلة الأولى ومن ثم الثانية، وبعدها يصدر قرار الإقامة الذي يرتبط بقرارات سياسية أحياناً ولهُ علاقة أحياناً بقانون الاتحاد الأوروبي، المهم عبر هذه السنوات ممكن أن يحصل على قرار الإقامة خلال شهر أو قد تطول المدة فتصل أحياناً لخمس سنوات، وبعدها يصدر قرار الإقامة. ومن هذا التاريخ يكون مقيماً في مملكة النرويج، وتبدأ رحلة الأحلام الوردية في المدرسة لتعلم اللغة النرويجية، وبعدها يستلم شقته ويفكر في تأثيثها واستلام قرض يساعدهُ مادياً ويشترك بسلفة لتحقيق ما تبقى من أحلامه وإجراء معاملة لم الشمل إذا كان متزوجاً، ويسافر السفرة الأولى إلى سوريا ومعهُ وثيقة سفر حقيقية ليست نفس الوثيقة التي دخل بها. خلاصة القول، إن الحياة الصعبة التي يحياها الناس في بعض الدول تجعل حلم الهجرة يداعب عقول الكثير منهم .. يدفعهم إلى ذلك صعوبات كثيرة تواجههم في أوطانهم الأم، من بينها التكافؤ في الحصول على فرص العمل والدخل المحدود وتدني الخدمات الاجتماعية ونقص الحريات والفقر والبطالة، علاوة على المشاكل العائلية وعمليات الثأر والأمية. وعادة ما ترتبط أحلام المهجر في رؤوس الناس بالثراء السريع والكفاءة العلمية والوجاهة الاجتماعية، إضافة إلى متعة الانتماء إلى الحضارة المنتصرة، وهو الأمر الذي يوقعهم كثيراً ضحية لإعلانات الهجرة المضللة، واستغلال الطموح الزائد وقلة الخبرة لدى المواطن لتحقيق مكاسب غير مشروعة. رامي الغف
#بلا_حدود