الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

الاستقطاب التركي والإيراني ومستقبل المنطقة

إن ما تشهده المنطقة من أزمات سياسية وأمنية راهنة في سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا ومصر ومنطقة الخليج العربي منذ بداية خروج واشنطن من العراق، وبداية ثورات الربيع العربي وبداية الأزمة السورية عام 2011، ما كان إلا انفجاراً لبركان كامن تتطاير حممه الآن وتتساقط على المنطقة بأكملها، فحيثما سقطت حممه اشتعلت نيران الصراعات المذهبية والطائفية على خطوط التماس والتقسيمات التي رسمت بأيادٍ خارجية من قبل. لقد كشفت التطورات الأخيرة بالفعل كيف أن الأزمات السياسية التي حمي وطيسها الآن والمتراكمة عبر سنوات دون أن تجد بادرة أمل للحل قد نأت بها العصبة العربية صبراً، وكأن المنطقة كانت عائمة على جبل ثلج سرعان ما انصهر جليده مع اشتعال نيران الفتن هنا وهناك، والتي يئست من حلها الجهود العربية بالطرق السلمية، فطفح الكيل ولم يعد هناك خيار آخر سوى الدعوة إلى تحالف دولي للحرب على الإرهاب. فلا تزال التدخلات الإيرانية في الشؤون العربية تتوغل على تخوم السيادة العربية على أراضيها بتحريض بعض الأقليات ضد النظم العربية، ولا يبشر الأمر بنيات صادقة لتحقيق السلام مع جيرانها من الدول العربية، وفي الوقت نفسه تتعنت في ملفها النووي في مفاوضاتها مع مجموعة (5+1)، ولا تتردد أن تلوح بين الحين والآخر بالسيطرة على مضيق هرمز وتهديد المصالح العربية في المنطقة. أما تركيا فلايزال يراودها حلمها في استعادة مجد الدولة العثمانية والهيمنة على العالم العربي في ما أطلق عليه المحللون السياسيون «العثمانية الجديدة»، فكانت ثورات الربيع العربي فرصة سانحة لطرح نموذجها الإسلامي في المنطقة العربية لتستقطب من الحلفاء الإسلاميين من استطاعت، وقد حلمت بحكومة للإسلاميين تمتد من مصر عبر تونس وليبيا والسودان، ولذلك ماتزال تدعم جماعة الإخوان المسلمين وتوفر لهم الحماية على أراضيها، وقد كشفت مواقفها الأخيرة تجاه الحرب الدولية على داعش عن التناقض والتردد في المساعدة في تحقيق الأمن والسلام الإقليميين، الأمر الذي يثير الشكوك حول دورها السلبي في دعم التطرف في المنطقة، وقد كشفت سياستها في المنطقة بالفعل عن رغبتها في تشكيل قطب من الإسلاميين فاتجهت إلى تنسيق سياستها مع قطر والسودان، وماتزال الكثير من أصابع الاتهام تشير إلى الدعم التركي والقطري والسوداني للمليشيات الإسلامية في ليبيا من أجل ترسيخ نظام حكم للإسلاميين في ليبيا، والصورة أيضاً يمكن أن نشاهدها في تونس إذا توترت الأوضاع، وأعتقد أن الانتخابات البرلمانية المقبلة في مصر وتونس سوف تجيب عن الكثير من التساؤلات حول مستقبل جماعة الإخوان في الشمال الأفريقي والعالم العربي. ولا يختلف المشروع الإيراني كثيراً عن المشروع التركي لكنه أشد خطراً، فإذا كانت السياسة التركية الداعمة لجماعة الإخوان المسلمين قد أسفرت عن انقسام واستقطاب تركي داخل العالم العربي وظهور العديد من الجماعات السنية المتطرفة، فإن السياسة الإيرانية قد استهدفت تصدير ثورتها الإسلامية إلى العالم العربي، فنشطت في السودان وسعت إلى إقامة قاعدة عسكرية لها على البحر الأحمر، والسيطرة على المواقع الاستراتيجية لتطويق العالم العربي من الخارج. ومن الداخل فحدث ولا حرج عن تحريك إيراني لاحتجاجات الحوثيين ودخولهم إلى العاصمة صنعاء لإسقاط الحكومة وتهديد أمن واستقرار اليمن. وفي سوريا والعراق يقاتل الحرس الثوري الإيراني لدعم النظام هناك، وتتدخل إيران حتى في تشكيل الحكومة وعملية الحكم وكأنها هي التي تحكم العراق وترسخ لسياسة إقصائية ضد شرائح من الشعب، فضلاً عن دعم وتسليح جماعات متطرفة في العالم العربي. ولذلك لا يبرهن تجاهل القوى الدولية والإقليمية لدعوتها لحضور مؤتمر جدة لمواجهة داعش أو مشاركتها في الحرب على الإرهاب إلا عن تحميلها المسؤولية عما تشهده المنطقة الآن من أزمة سياسية وأمنية. وعلى الرغم من هذه المحاولات الإقليمية اليائسة بإثارة الفتن والنزاعات ودعم الفئات الضالة في العالم العربي، فإن المناعة العربية ستبقى متماسكة ومنتصرة على كل من أراد بأمنها سوءاً، لا يضرها من تخلف عن ركبها، ولن تفلح المخططات الخارجية أو الإقليمية إلا عن نهاية أحلام من جاؤوا في ثياب الفاتحين على أبواب القلاع العربية. وسوف تتبدد طموحات إيران وتركيا وتخفق مشروعاتهما الإقليمية والاستقطابية لبناء قطبيهما الإقليميين داخل العالم العربي، وهو الأمر الذي لن ينتهي بهما إلا إلى مزيد من العزلة في المحيط العربي.
#بلا_حدود