الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

الثورة وأخواتها

عندما أصبحنا نعاني الخلط في المفاهيم بصورة غير مسبوقة، وأصبح الكل يفسر الأمور والأحداث حسب هواه ومزاجه الخاص وميوله الذاتية، كان لا بد من تحديد لكثير من معاني المصطلحات المستخدمة في حياتنا، بشكل محدد وموضوعي، ويأتي على رأس هذه المصطلحات مصطلح يستخدمه معظم الناس في مصر وسائر البلاد العربية بشكل يومي، فتارة يُسمى ثورة وتارة ثانية انقلاباً، وآخرون يسمونه انتفاضة، وآخرون تمرداً، كما تتداخل مع مصطلحات أخرى قريبة المعنى كالإصلاح والعصيان والجهاد والحرب. لذلك عملنا على تحديد معنى هذه المصطلحات بدقة بين الثورة وأخواتها من المصطلحات المذكورة أعلاه، حتى لا تختلط علينا الأمور فيعبث بنا العابثون من أعداء هذه الأمة وما أكثرهم في الوقت الراهن. فالثورة هي حالة من الهيجان والغضب العارم، بغية الخروج من الوضع الراهن، وتغييره إلى وضع أفضل، تغييراً كاملاً يشمل جميع السياسات والنظم الموجودة إلى أنظمة جديدة، تراعي الحرية والمساواة وتحقيق العدالة الكاملة بين الجميع. ولأن الثورة كذلك، فإنها تختلف عن غيرها من الحركات الأخرى الرافضة للواقع، من أمثال الانقلاب والعصيان والانتفاضة والتمرد، والإصلاح والجهاد والحرب. فالانقلاب حركة رافضة يقوم فيها قائد الانقلاب، سواء كان عسكرياً أو مدنياً، بالاستيلاء على السلطة السياسية بطرق غير مشروعة، ومن أجل تحقيق مكاسب شخصية من كرسي الحكم.. وإن كان التعريف لا يتغير مع انتهاء بعض الانقلابات إلى ثورات حقيقية تماماً، كما لا يغيره أيضاً انتهاء بعض الثورات إلى انقلابات. أما العصيان فيختلف عن الثورة، فالعصيان هو رفض لقانون أو لائحة أو تنظيم أو سلطة، تعد في عين من ينتقدونها ظالمة. وقد يكون سلمياً، وقد يكون مسلحاً، فيتشابه بذلك العصيان مع الانقلاب؛ لأن كلاًّ منهما يهدف إلى استبدال السلطة القائمة بسلطة أخرى، ولكن ذلك لا ينفي تلك الحقيقة التاريخية التي ترى أن العصيان كثيراً ما شكل المرحلة الأولى للثورة. كذلك تختلف الانتفاضة عن الثورة، فالانتفاضة حركة شعبية واسعة، مقاومة للظلم والاستبداد بمختلف أشكاله، سواء كان ظلماً من حاكم مستبد، أو من عدو محتل للأرض، وتقوم على رفض الواقع القائم، لذلك فهي لا ترقى إلى مستوى الثورة، على الرغم من كل أنواع القمع التي تواجهها بها السلطة القائمة، بل تظل فقط بمثابة الممهد لها. كذلك تختلف الثورة عن التمرد، حيث يعني الأخير رفض طاعة الأوامر، وهو مجموعة السلوكات التي تهدف إلى تدمير سلطة أو إحلال سلطة محل السلطة القائمة، فيما إذا كانت حكومة أو رئيس دولة. ويلعب التمرد مثل العصيان والانتفاضة دور الممهد للثورة، في كثير من الأحيان. أما الإصلاح فهو تحسين وضع أو تعديل ما هو خطأ، ويكون، في الأغلب، عملية تغيير تدريجية للأوضاع السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو الدينية أو الثقافية، ولكنه يظل في النهاية محتفظاً بالإطار العام الذي ولد تلك الأوضاع، لذلك يمثل الإصلاح الطريق الثاني للتغيير، بعد الثورات. أما الجهاد، فهو مفهوم إسلامي يعني جميع الأفعال أو الأقوال التي تتم لنشر الإسلام، أو لصد عدو ما، أو لمساعدة أحد ما، كما يشمل مجاهدة النفس، وحثها على التحلي بالفضائل والابتعاد عن الرذائل، وهو السعي دائماً لإعلاء كلمة الله، واتخذ دائماً في الإسلام معنى دفاعياً، وسيظل مفهوم الجهاد دائماً وسيلة للدفاع عن الأهل والأرض والعرض والدين والمقدسات، وليس للعدوان أو التعصب أو لشن الحروب على المخالفين للمسلمين في الدين والملة، كما يدعي البعض زوراً وبهتاناً. كما أنه يوجد ثمة اختلاف بين الحرب والثورة، فالحرب هي نزاع مسلح بين دولتين أو أكثر من الكيانات غير المنسجمة، حيث الهدف منها إعادة تنظيم الجغرافيا السياسية للحصول على نتائج مرجوة ومصممة بشكل ذاتي، ومنها الحرب الأهلية التي تكون بين مجموعتين اجتماعيتين داخل الدولة أو الأمة الواحدة. وإن كان هناك فارق جوهري بين الحرب والثورة إلا أن البعض يؤكد أن هناك تشابهاً وتداخلاً بينهما في جوانب شتى، الأمر الذي كان، وما يزال، وراء حرص البعض من الباحثين على تسمية ثورات التحرير ـ وخصوصاً تلك التي خاضها العالم الثالث ضد الاستعمار الأوروبي ـ بحروب التحرير.
#بلا_حدود