السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

عيد الجراح والصمود

عندما حل العيد على الشاعر الكبير المتنبي وهو يغادر مصر من غير تحقيق طموحاته، أخذته الحسرة واشتد به الألم، وأنشد قائلاً: عيد بأية حال عدت يا عيد .. بما مضى أم لأمر فيك تجديد وهو ذات السؤال الذي أبعثه اليوم مجدداً، بأية حال عدت يا عيد؟ عدت ودماء الشهداء لا تزال سارية الرائحة .. فوّاحة العطر .. عدت وجراحنا تنزف، دماء رفح الأولى والثانية والثالثة .. جنود أبرار ماتوا صائمين ثمناً للغدر والخيانة والتآمر وبيع الوطن ولو بالرخيص، صعدت أرواحهم إلى السماء، ويا لحسن ما صعدت!.. هتفت ألسنتهم بالدعاء ويا لعظمة ما هتفت.. نداء الله أكبر يشق الأرض والسماء، وأرواحهم أيضاً تشق الحجب لتعلن الغضبة الكبرى على كل ظالم استباح دماء الوطن، وعلى كل متآمر قتل النفس التي حرمها الله، وعلى كل عميل هتك ستر الله علينا، فقتل أعيناً باتت تحرس في سبيل الله. دماء زكية لأبناء بررة وليسوا عملاء، أبناء وطنيون وشجعان وليسوا جبناء، مخلصون لوطنهم شرفاء .. دماؤهم جرح ينزف في جبين أبناء مصر الشرفاء .. فلتذهبوا إلى الرمال التي احتضنت دماءهم، ولتسألوا الأرض التي ستأتي يوم القيامة شاهدة على تضحياتهم. جنود أبطال وشهداء أبرار، من المجند حتى اللواء، فروح اللواء نبيل فراج لا تزال مشرقة في كبد السماء تنشد قائلة «فزت ورب الكعبة» .. ودماء ضباط الأمن الوطني ترد أنهار الجنة، وتصب اللعنات على كل من تآمر وخان ودفع الثمن من تراب وطنه وثروة شعبه .. ودماء شهداء الكمائن الشرطية، بني سويف والقاهرة والمنصورة ودمياط ومديريات الأمن بالقاهرة والمنصورة .. وغيرها من الأرض الطيبة التي خرجت فوقها أرواح طيبة تعلن الثورة على القتلة والمجرمين، وتلعن في كل نفس من أنفاسها الظلم والظالمين. وتستمر قوافل الشهداء في طريقها .. لتقدم الرجال بحق، الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا بوطنهم تبديلاً. رجال الجيش .. الجنود الأبرار في رفح والعريش والشيخ زويد، جنود طور سينين والبلد الأمين، أولئك الصحب الكرام الذين دفعوا المهر غالياً لفداء كتاب رب العالمين (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين). ثم يمر العيد ملتقطاً الذكريات، فتطالعه صور شهداء الفرافرة، ثم يحمل عبير رجلين من رجال مصر البررة الأوفياء، المقدم محمد أبو سريع، والمقدم خالد محمود سعفان، شهداء بولاق أبوالعلا، ليتركا أبناءهما في عمر الزهور، ويفتديا وطنهما بروحيهما. نعم .. عاد العيد بذكريات مريرة، حزينة، مؤلمة، لكنه عيد الكرامة .. عيد الرجال .. الرجال الذين تركوا أبناءهم وديارهم وأرضهم وأموالهم فداء لوطنهم، كان يمكنهم الفرار من أرض المعركة، وكان يمكنهم بألف طريقة العدول عن المواجهة والفداء، لكنهم لم يفعلوا، لأنهم تنفسوا ورضعوا حب الوطن! في يوم عيدهم .. وكل أيامهم أعياد، نوفيهم جميلاً بجميل .. لقد ضحوا بأرواحهم ليفتدوا أرواحنا، وأُهدرت دماؤهم حقناً لدمائنا. نعم، هم الفائزون من كل الوجوه .. وهم الخالدون عند ربهم يرزقون (والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم) .. ولكن هذا التاريخ الأسود قاتم السواد لتلك الجماعات الإرهابية التي استباحت ما حرّم الله ولا بد لها من وقفة، حتى ولو دفعنا أرواحنا نحن فداء لكرامة وطن ناضل لأجله شرفاء أبنائه على مر العصور، بداية من مينا ثم أحمس ثم قطز ثم محمد كُريم وسعد زغلول ومصطفى كامل .. رجال حفروا أسماءهم في قلب التاريخ، لأن خطواتهم كانت في كبد التاريخ، كانت لصالح وطن ولم تكن لصالح جماعة أو حزب، لصالح شعب بأسره لا لصالح فئة مختلة العقل، مضطربة الفكر. لقد هزمت دماء الشهداء لعنة القاتلين أبد الدهر، هزمتهم بإيمان أصحابها وحسن يقينهم بأن من قدم روحه فداء لوطنه فهو شهيد وليس له من جزاء إلا الجنة.. إن تلك الدماء تفوح في ربوع الوطن في يوم العيد عزاً وكرامة، تحيي فينا الأمل، وتبعث فينا الطمأنينة، بأننا بحق أرض الله الآمنة، وبأن أبناءنا هم خير أجناد الأرض.. جراح كثيرة .. وهموم غفيرة .. وحقد وغل لهذا البلد من قلوب آثمة شريرة .. جراح تنزف في كل شبر من أرضنا الطيبة، في كل نجع، وفي كل قرية، يمتلئ كل بيت بصور شهداء الخلود، ويعتصر كل قلب ألماً وحزناً على فراق أولئك الأبطال بحق، الذين قدموا أرواحهم لأجل وطنهم دون أدنى تفكير أو تراجع.. ونحن نعاهدهم على إتمام مسيرتهم المباركة، بأقلامنا وفكرنا وتعليمنا لأولادنا الدين الحق .. دين التسامح، دين التراحم، لنكمل ما بدأوه من مشوار، نحن صامدون بقوتنا، قادرون بعزيمتنا، ماضون بإرادتنا .. ولو تطلب الأمر فلن نبخل بأرواحنا طيبة بها نفوسنا فداء لوطننا، فليتقبل الله في يوم الجراح والصمود تضحيات أولئك الرجال، وليحفظ الله مصر .. وجيش مصر.
#بلا_حدود