الاحد - 26 سبتمبر 2021
الاحد - 26 سبتمبر 2021

فلسفة التعليم بين العمل الحر والعمل الحكومي

إن التعليم حتى يؤتي ثمرته ويؤدي هذا الغرض السامي لا بد أن يجمع بين الناحيتين النظرية والعملية، ونحن بذلك نحاول أن نرسي مبدأ من الأهمية بمكان، وهو أن العلم ليس سبيلاً إلى الانصراف عن العمل اليدوي، مستدلين على ذلك بمسالك الغربيين أنفسهم الذين يأنف أكثرهم من العمل الحكومي ويتجهون إلى الأعمال الحرة؛ إذ هو السبيل إلى تحصيل الثروة والرخاء. وبناء على ذلك يمكن القول إنه يجب أن نقلد الغرب في اتجاهاته الصحيحة، وأن ننظر بعين الحذر إلى اندفاع شبابنا إلى الدراسات النظرية التى تخلق طبقة من المستهلكين لا المنتجين، وقد آن للشرق أن يعلم أن مستقبله رهن بالعمل والإنتاج، فإن أصغر دولة رقعة ربما كانت تفوق في إنتاجها ممالك الشرق الأوسط بأسرها. وكم تثبت الأيام قولنا؛ إذ مازالت المشكلة قائمة، بل لعلها أشد مما كانت عليه قبلاً. إن شباب الأمة مازالوا يجرون وراء العمل الحكومي، مع أنه يمثل قيداً على صاحبه في حين يهجرون العمل الحر الذي يجعل الرجل سيد نفسه، وما أظن رأينا هنا إلا مبدأ إسلامياً صرفاً، وهذا المبدأ يؤكده غير باحث من الباحثين؛ حيث قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن من الذنوب ما لا يكفره إلا السعي في طلب الرزق، فالعمل مطلوب وليست فائدته على العمل وحده إنما فائدته على الجماعة كلها. وكم تتفق هذه الآراء مع دعاة القضاء على البطالة والباحثين عن حلول جذرية لها؛ حيث ندعو إلى أن تكون الأعمال اليدوية أو التجارية أو غيرها تقوم جنباً إلى جنب مع العلوم النظرية، إن لم تكن تفوقها في أهمية دورها في بناء المجتمع؛ لأن إهمال ذلك يؤدي إلى أزمات شاذة تسمى أزمات المتعلمين، أيريدون بهذا أن خريجي الجامعات أو المدارس العليا لا يجدون عملاً يتناسب مع مؤهلاتهم العليا؟ إن هذا الأمر تترتب عليه أزمات شاذة، ونقصد بذلك أن البطالة بين خريجي الجامعات قد تؤدي إلى الوقوع في متاهات السرقة والمخدرات والسعي نحو الأمور التي تأباها الشريعة والتقاليد. إذن، لم تكن الدعوة إلى التمسك بالعلوم النظرية والدراسات التاريخية في معاهدنا وكلياتنا تلقى رواجاً أو قبولاً عندنا لا لكونها غير نافعة، ولكن لكون أن كثيراً من خريجيها يسعون إلى كسب إحدى الوظائف الحكومية، استسهالاً للأمر، ورغبة جامحة في البعد عن عناء الاتجاه العملي، ومن ثم فإن دعوتنا هنا موجهة إلى شباب الأمة قبل شيوخهم؛ لأنهم أمل المستقبل، محاولين توجيه نظرهم إلى أن العلم التطبيقي هو سبيلهم إلى التقدم، مثلما كان سبيل تقدم المسلمين في العهود السابقة، كما أنه السبيل الذي من خلاله تقدم الغرب. المسلمون وإن كانوا تقدموا في بعض العهود السابقة لا يمنعنا ذلك من القول إنهم لم يعتنوا بالعلوم الطبيعية والتجريبية والعلوم العملية المثمرة اعتناءهم بعلوم ما بعد الطبيعة والفلسفة الإلهية التي تلقوها من اليونان؛ إذ ظلوا قروناً طويلة منغمسين في حقول فلسفية وكلامية وميتافيزيقية، وتشاغلوا عن علوم واختيارات تسخر لهم قوى الطبيعة ويسخرونها لمصلحة الإسلام، ولبسط سيطرته المادية والروحية على العالم. فالمسألة إذن مسألة تربية وإعداد توجيه، وهي أمور حظنا فيها قليل منذ عدة أجيال. لكن بعد هذا يثور هنا سؤال مهم مؤداه: إذا كنا قد رأينا ضرورة الأخذ بالعلوم الغربية النظرية والعملية فهل نرى بعد هذا أن من الواجب علينا النظر إلى الحضارة الغربية المادية على أنها المثل الأعلى الذي ينبغي تحقيقه في الشرق الإسلامي؟ بالقطع الإجابة هنا بالنفي، حيث إننا لم نكن ننظر هذه النظرية الضيقة، بل على العكس من ذلك كان لا بد علينا أن تكون نظرتنا أكثر شمولية ودقة، وقد يدلك على ذلك أن العلم على الرغم من تقدمه غير المحدود فإنه لا يوصف بالخير أو الشر في ذاته، وإنما الإنسان هو الذي يحسن هذا العلم أو يسيء توجيهه، ويدل على ذلك غلبة النزعة المادية على أهل أوروبا الذين سخروا العلم للقتال وللاستعانة به على استنزاف خيرات الأمم المتخلفة واحتكار ثرواتها، وقد توغلت الأمم الغربية في هذا الاتجاه المادي حتى إن كثيراً من مفكريها يرون أن الحضارة الأوروبية مهددة بالإفلاس والتدهور إن سارت في طريق النزعة المادية حتى نهايته. وعليه فإن الحضارة ليست حضارة مادية فحسب، بل إن هناك حضارة أخرى روحية أخلاقية. ومع ذلك فمن الواجب أن نكون على قمة الوعي فنرفض الربط بين انتشار العلم التطبيقي في أوروبا، وبين اتجاهها إلى النزعة المادية الإلحادية، وبمعنى آخر نرفض أن يكون الاتجاه الإلحادي في أوروبا سبباً في تطور الاتجاه العلمي أو البناء الحضاري لديها.
#بلا_حدود