الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

إنكم تحرقون أغصان الزيتون

يبدو العالم من حولنا، وهو يموج بصراعات لا حد لها، أحالت حياة البشرية إلى جحيم لا ينتهي، قتلٌ هنا، وسفك هناك، شدٌّ هنا، وجذب هناك، كيدٌ هنا، ومكر هناك، يبدو وكأنه نسي، أو هكذا تناسى، أن له رباً يختصم إليه الناس يوم الحساب، ويعطي كلاً منا على قدر عمله. بَيْدَ أن المتأمل في هذه الصور من الصراع يجد من دون تعمق في التأمل كيف حولت الدول الغنية في أوروبا وأمريكا القيم إلى سلعة رخيصة تباع وتشرى، وأهم هذه القيم قيمة العدل. العدل الأساس القوي الذي تقوم عليه الدول، وتشيَّد من خلاله الممالك، كما أنه القيمة المحورية التي تنشر بذور الحب والإخاء والتعاون والتواد، إلا أن هذه القيمة أصبح وجودها نادراً، في عالم استباح لنفسه كل شيء، ولم يترك للضعفاء شيئاً، وهذا حتماً يؤدي بدوره إلى إحداث حالة من الكراهية والحنق، وهي الحالة التي قد تتطور إلى العنف والعنف المضاد، ما يمكّن أصحاب الأجندات الهدَّامة من استغلال هذه الحالة في إثارة القلاقل والفتن، واللجوء إلى التفسيرات الخاطئة للنصوص المقدسة، ثم يجعلون من هذه التفسيرات مرجعية لهم، فيحدث الصدام والصراع، لا التلاقي والوئام، أليس لنا حينها أن نقول للغرب «إنكم تحرقون أغصان الزيتون!». فإذا كانت أمريكا، ومازالت، تقف بجوار الكيان الصهيوني، وتشجع ممارساته، وتبارك خطواته، وتغض الطرف عما يفعله من جرائم في حق الإنسانية، فله أن يقتل من الفلسطينيين من شاء، ويدمر من القرى ما شاء، ويحاصر المدن وقت ما يشاء، في الوقت الذي يصم فيه الغرب وأمريكا آذانهم، ويرتضي كل منهم أن يكون مجرد أداة في يد الجاني يبطش بها كيفما شاء، ثم إذا دافع الفلسطينيون عن أنفسهم وديارهم ووطنهم نُعتوا بكل نقيصة، أفليس لنا أن نقول حينها: أيها الغرب، أيها الأمريكان إنكم تحرقون أغصان الزيتون! وإلا فَبِمَ نفسر موقف الغرب من الأقليات؟، إنهم يكيلون بمكيالين تجاه قضايا الأقليات، فإذا حدثت في بلادنا العربية أي قضية من هذه القضايا هاجت الدنيا وماجت، وتم تسييس القضية، فإذا انتهكت حقوق المسلمين في دولة ما، وتم التنكيل بهم وسحلهم وتشريدهم، وفي النهاية قتلهم، وجدنا الغرب يغض الطرف وكأن شيئاً لم يكن. أفليس لنا أن نقول وقتها: أيها الغرب إنكم تحرقون أغصان الزيتون! إننا أمام غرب استوحش وتغوّل، ولا ينظر إلى الشرق إلا نظرتين: الأولى، نظرة استعلاء، فهو على ظنه صانع المدنية العالمية وراعيها وحامي حماها، وهذا الشرق مجرد تابع مستفيد من هذه المدنية التي لم يشارك في صنعها قيد أنملة، على الرغم من أن مدنيته المزعومة قامت، من ضمن ما قامت، على أكتاف الحضارة الإسلامية. والثانية، نظرة طمع فيما في أرض العروبة من خيرات، ومن ثم أباح لنفسه نهب هذه الخيرات قديماً من خلال الاحتلال البغيض، وأباح لنفسه نهبها حديثاً، من خلال ما نراه من التدخل في شؤون الدول، بالسياسة حيناً، وبالتدخل العسكري بدعوى محاربة كيانات متطرفة هو صانعها ومدعّمها الأول حيناً آخر. أليس يحق لنا القول هنا: أيها الغرب المتوحش إنكم تحرقون أغصان الزيتون! إن غصن الزيتون دليل السلام وعلامة عليه، فإذا تم التعامل مع هذا المدلول من غير منطقه الذي صيغ من أجله، أو على أنه ديكور سياسي رغبة في إظهار التعامل بروح الإنسانية مع الآخر، مع كونها تبطن خلافه، فإننا بذلك أداة حارقة تحرق أغصان الزيتون. وليعلم الغرب إذاً أنه يقود العالم إلى الهاوية، فإذا كان يظن أنه بأفعاله هذه يحقق مصالحه فقد ظن ظناً خطأ؛ لأن أفعاله هذه لن تزيد الشرق إلا حنقاً وكرهاً وبغضاً. فالسلام العالمي سيكون واقعياً وقت أن ترفرف على العالم ألوية المحبة والتعاون، وقت أن يعرف الغرب أن العالم بشرقه قبل غربه لن يستقيم إلا بالتلاقي لا التنافر، بالتواضع لا التكبر، بالتواصل لا التقاطع، بالمبادرة لا المدابرة. إن عالمنا لن يصنعه غيرنا، فعذراً أيها الغرب: إنكم تحرقون أغصان الزيتون.
#بلا_حدود