الجمعة - 17 سبتمبر 2021
الجمعة - 17 سبتمبر 2021

هيا اندهش .. وتلثم

بدأت تغزوه هذا الصباح عواطف مبهمة لا دافع لها ولا سبب، كما يسمع الهائم في الصحراء أحياناً اسمه يتردد بغمغمة مبهمة، أو كما يفزع الماكث وحده في منزل وقت السكون أو حتى في جماعة لسماع شخص يناديه. هي الضفة الأخرى تحن إليه .. سميك هو الجدار الذي يفصل بينها وبين بعض الأشخاص، هو من الإسمنت المسلح، وهو شفاف لأشخاص آخرين حتى يصير زجاجاً رقيقاً يرى من خلاله تبرج الحروف في انحناءاتها المغرية، بل أحياناً تتمزق قطعة منه فتتسرب منها نسائم عرائس الروح، ثم ما تلبث أن تصلها إشارة لرتقه وإصلاحه، فيتوقف غزو الإبداع من العالم الحقيقي إلى عالمنا الافتراضي. بعض المشدوهين الجدد يخدشون الزجاج بأظافرهم، وتسمع هذا الأزيز في حروفهم المخدوشة. هي مشاعر مجهرية وغير مفهومة، كحكة غير معلومة المركز، تدعوه أن يحب، أن يكره، أن يضحك أو يبكي، أن يفعل أي شيء غير معهود، لسان هذه العواطف يشترط طعماً جديداً لم يكتشفه الناس ولم يسمّوه بعد. ورياح هذه المشاعر تصله متقطعة تتداول على قلبه بين الفينة والأخرى من أمكنة سحيقة في نفسه كأصوات مؤذني صلاة الفجر التي تتقاذفها الرياح إلى أذنيه من بعيد. «خير إن شاء الله» .. هكذا تمتم وهو يفتح باب نافذته لتقابله قمم الجبال الرمادية التي تشبه شيوخاً جالسين متآزرين يشاهدون ما يحدث تحتهم، ربما هي أرواح أجداده التي مازالت تحن إلى هذا الشموخ، له أن يتصور ما يشاء، فهو اليوم أمام قالب عاطفي يجب ملؤه، قد تصلح أي عاطفة، ترى ماذا سيتقمص؟ ما أبسط غسيل المخ إذا ما قورن بغسيل العواطف! النهر الذي تضطرب على جنبيه ملايين الارتطامات المائية حين يجف يحسد المستنقعات. لا يليق بشخص أنيق المظهر أن يخرج من بيته دون طلاء داخلي، لذلك كان لا بد له أن يبحث عن جيوب لنقوده، أن يجد لهذه الشهقة الصوفية صدراً وحلقاً يليقان بها. «هيا انتعش ودعك من هذه التأملات، لا تتحير، حتى لا تفشل هذا اليوم. لقد دخل الحلزون إلى قوقعته فاندهش منها فأصيب بوصمة البطء والتثاقل .. لذلك أريدك ألا تندهش حتى تستطيع أن تواصل الحياة». قال هذا لنفسه وهو يدرك أنه لا شيء يُدهش أكثر من عدم الدهشة فالاندهاش غذاء الروح، وكساء الحروف.. «هيا اندهش، وتلثّم..» .. هكذا سمع صوتاً رمت به جبال أجداده.
#بلا_حدود