الأربعاء - 29 سبتمبر 2021
الأربعاء - 29 سبتمبر 2021

كن أنت البادئ

لعل الكلمة التي أتداولها معكم في الجمل التالية هي كلمة مألوفة، حيث أصبحت كلمة على الهامش لا ترن حقيقتها في داخلنا العميق، لكنني أقول لكم إن الكلمة أعمق مما تبدو في حقيقتها الظاهرة، فهي ذات جوهر عقلي عميق ينسج خيوطه بهدوء وصمت في العمق ليخرج لنا لباساً يمثل الانتماء والتداخل المجتمعي العميق في القيم المختلفة والعادات. هذه الكلمة تم إقصاؤها إلى حدٍّ بعيد عن العقل فأصبحت اتجاهاً يتعارض مع النفوس، وأصبحت كلمة (التطوع) مسألة تمثلها شريحة بسيطة من المجتمع في تكتلات لا تشكل إلا مؤسسات تعيش على الهامش في مجتمعنا، وتعنى بالقيام بأمور محددة لا تتشعب لكل ما تعنيه الكلمة وما تمثله من قيمة عقلية. لعل البعض يظن أن التطوع ليس إلا خدمة مجتمعية معينة، لكنني أقول لكم إن الكلمة تمتد من أعمق نقطة في المجتمع إلى أعلى نقطة، من التربية إلى العمل في مختلف القطاعات، من الترفيه إلى أسلوب التعايش، لقد أصبح البعض منا غير مرتبط بهذه الكلمة، وأنا عندما أقول غير مرتبط فلا أعني بها أنه لا يحب بلده أو ليس لديه انتماء. إن التطوع كلمة تجسد حقيقة الانتماء إلى البلد، فهذه الكلمة البسيطة لا يرى فيها البعض إلا أنها مجموعة من الحروف التي لا تشكل أهمية كبيرة، لكن الحقيقة أن هذه الكلمة الصغيرة والمكونة من حروف بسيطة هي اتجاه عقلي في علم العقل، وهو اتجاه إن تم تطويره منذ مرحلة الطفولة فهو يكبر في داخلنا وينمو، بحيث يصبح في ما بعد هذا العمل التطوعي بكل مقاييسه ومجالاته أسلوب حياة، فالحفاظ على شواطئ البحر نظيفة يعتبر من الأعمال التطوعية، وهو عمل الجميع لا عمل جهة معينة، كذلك الحفاظ على المرافق والمشاركة المجتمعية في التربية، بحيث تكون التربية مسؤولية الجميع لا مسؤولية فرد بعينه، فنحن نرى أطفال الغير يخطئون ولكننا دائماً نقول لا دخل لنا فهؤلاء غرباء، نرى الغير ينتهك حرمة الشارع برميه القمامة أو بإلقائه زجاجة فارغة ونقول لا دخل لنا. كلمة تطوع عندما نبتعد عنها فهي تولد اتجاهات سلبية أخرى، مثل «هذا غريب لماذا أوجهه، فهذا يعزز التفكك، ومثل هذا ليس عملي لماذا أقوم به، وهذا يعزز التقوقع، هذا الشارع ليس مسؤوليتي، وهذا يعزز عدم الانتماء»، «هذه الحديقة ليست مسؤوليتي وهذا يعزز عدم الانتماء أيضاً، أبناء الغرباء ليسوا مسؤوليتي وهذا يعزز الفرقة، هذا الأذى في الطريق لا علاقة لي به، هذه المدينة ليس لي فيها إلا بيتي وبقية الأشياء ليست مسؤوليتي، كل هذه الاتجاهات السلبية تتولد عندما نترك التطوع». إن التطوع كلمة تمسّ العقل بصورة عميقة، فهي اتجاه ينمو والاهتمام به ينمي الكثير من صور التقارب المجتمعية، في يوم من الأيام تطوعنا للخدمة العسكرية وهذا كان في عام 1990، وفي ذلك الوقت شكل التطوع رابط تقارب عميقاً بين أبناء الوطن وكان هذا الرابط يجري مع الدماء الحمراء في العروق، فكل ما رأيت متطوعاً ذكرته بتلك الأيام أرى الدمع أحياناً يسيل من العينين بتلقائية في تعبير عميق عما ولده التطوع في النفوس من تقارب. إن كل عمل تطوعي يشترك فيه المجتمع يقوي الرابط المجتمعي، ويعزز الانتماء العميق لكل حبة رمل في هذا البلد وسواه من البلدان العربية. لعلنا توقفنا عن العمل التطوعي وبتنا نراه من بعيد على أنه عمل يوم واحد، إن العمل التطوعي عمل مستمر في حياتنا وعلينا تحفيز هذا الاتجاه يومياً تجاه كل ما يمس حياتنا الأسرية والمجتمعية، علينا أن ندرك الأهمية النفسية لهذا العمل، ففي هذا العمل تزكية للنفس وتطهير لها من اتجاهات عدة سلبية قد تحل محل اتجاه التطوع، التباعد، التفكك، الإهمال والتقوقع، كلها اتجاهات تنتجها النفس بالتدريج عندما نترك التطوع كاتجاه. في الإسلام أعمال تطوعية كثيرة بعضها يدخل في حيز الإيمان مثل إماطة الأذى عن الطريق، فكم مرة توقفت لتزيل أذى من الطريق قد يعوق الكثير؟ كم مرة فكرت في تقديم خدمات تطوعية بسيطة لمجتمعك؟ لا تفكر في حجم العمل، فالعمل الصغير إن فكر به مئة ألف غيرك، فحجر صغير يقود مئة ألف حجر آخر خارج الطريق في لحظة واحدة. دعونا نبتعد قليلاً عن الحقائق المنطقية النفسية التي أبعدتنا عن التطوع مثل المقابل المادي أو على ماذا سوف أحصل إن قمت بهذا العمل، دعونا نشترك جميعاً في رسم مجتمع يدعو إلى التآلف والترابط، بحيث يكون الشعور الداخلي أن ما نقدمه هو خدمة لكل من يسكن بلدنا، في بعض البلدان ينظف أبناء المدن شوارع مدنهم بعد هطول المطر، وفي بعض البلدان يقوم المواطنون بفرز نفاياتهم تطوعاً دون مقابل. إن ربينا المجتمع على التطوع فبعد عقد من الزمن سيكون لدينا ملايين المتطوعين من الأطفال والكبار، سيكون لدينا أطفال أسلوب حياتهم العمل التطوعي. كن أنت البادئ، الفطرة في عقل طفلك مهمتك أنت ومهمة كل فرد في المجتمع من المدرس والجار والمتسوق، فكن على بصيرة بأنك مربٍّ لكل طفل، حينها سيخرج إلى النور أطفال يعيشون التطوع على أنه أسلوب حياة. ما سبق أوجهه لكل إنسان يعيش في هذا البلد الطيب، جمال هذا البلد لك وللجميع، تطوير هذا الجمال عمل تطوعي يفيدك أنت ويفيد غيرك من الناس. فكن أنت أول المتطوعين.
#بلا_حدود