الجمعة - 24 سبتمبر 2021
الجمعة - 24 سبتمبر 2021

عَبير الكَركَديّة

يعترض سبيل عَبير عابِرُ سبيل أثناء خروجها من وزارة الدردشة الوطنية، ليبدي تعاطفه معها بوجه عديد العقبات وفيض المنغصات التي تحوم حولها من قبل أغلبية المنتسبين معها إلى الوزارة .. أفزعها وقوفه المفاجئ من دونها .. تتطلع إليه باستغراب، وقلبها يخفق من المفاجأة.. يخبرها أنه مندوب المنطق المَجازي إليها شخصياً .. بلهجة ساخرة يائِسة قالت له: حقاً! ذلك ما أنا بحاجة إليه، الفزع والاضطراب. سارت في طريقها، والمندوب إلى جانبها .. استطردت قائلة: ما زلتُ عاجزةً عن فهم عالمنا الجديد، الذي تحكمه قوانين مختلفة عما اعتدته، أو ما اعتاده المنطق .. يعقب المندوب على كلامها: منطق المعتاد ارتاب فغاب عن الأحباب، تاركاً غريمه منطق الغاب ينعق كالغراب، ويتلاعب بنا مع الأغراب، فينال المودة والألقاب. تعتزم بعد المشاورة معه أن تجرب توسيع حيز المنطق المفترض لديها لاستيعاب منطق من حولها قبل أن يمتلئ ويضيق بصراع الخوالج مع البديهيات، مع احتفاظها قطعاً بحقيبة المبادئ اليدوية .. ثم هزت رأسها وندت منها تنهيدة شجية، لتكتشف أنها معادلة صعبة .. يعترف لها معترضاً وواعظاً: ستنزف عافيتك، حتى لو بقيتِ صامتة، فسينالون من صمتك، وهذه هي ضريبة المبادئ. عقدت كفها اليمنى مستثنية منها أصبع الإبهام منتصباً، موافقةً صحة توقعه، وأفصحت له عن معاناتها، وارتفاع ضغط دمها، بسبب تلك الطفيليات المنتسبة للوزارة.. ثم فركت الوسطى بالإبهام، وقالت مستبشرة: الكَركَديه رائعة لخفضه .. يجادلها مجاملاً مستفهماً: وهل عَبير الكَركَدية بحاجة إلى الكَركَديه ذاتها؟ المشاكسون والطفيليون هم مَن يرتفع ضغط الدم لديهم أولاً، حسداً وكراهية، قبل أن يصفر لون الكَركَدية البشرية. أطرقت برأسها برهة تفكر في ما قاله .. أفسد خلوتها مع البرهة ضجيج صادر من منبه لدراجة نارية مُسرعة، اصطدمت بالمندوب .. صرخت عَبير مذعورة، ورحل شبح هواجسها الذي تجسد به المندوب قبل أن يلقى حتفه .. دلفت إلى مرآب لحافلات نقل الركاب، ثم استقلت إحدى الحافلات في طريقها إلى البيت .. في اليوم التالي جلبت معها حزمة من أوراق الكَركَديه المُجففة، وتوجهت بها إلى الزملاء الأعداء في الوزارة، قدمتها لهم معتذرة ساخرة: لا حيلة لي غير أن أمنحكم باقة مما يتورد منه لون خَدِّي أو من قِلته يَصفَر، علاوة على أن خُلاصَتها تَرد الكَيد إلى نَحرِه. فارت دماء الحضور، وامتنعوا عن تقبل عرضها الخافض للغيظ نكايةً بها .. مع تزايد الحقد الدفين والغيظ المبين في نحورِ المحرومين من ملكات عبير، ارتفع ضغط دمها تدريجياً .. خَشَت السقوط من فَورِها .. أغمضت عينيها تلقائياً.. تشنج جفناها .. عضت شفتيها بألم وحسرة، وسَرَحَ بها الخيال برهة، طاف بها إلى خلاصة مخاضها العسير، وطرح عليها سؤالاً عَسر على كيانها المهضوم جوابه: ماذا لو أنكِ ترويت قليلاً، وتنازلت عن بعض مبادئ المنطق الغائب لِفَكِّ عقدتك مع الغابة البشرية؟ نفرت من برهة الخيال، وأرخت جفنيها المُثقلين بغبار الصدمات وتأملات الحرج .. فتحت فصّيْ عينيها بصرامة وأجابت على سؤالها بنفسها: ذلك يتطلب مني التنازل عما أقدمه من أفكارٍ مستقيمة مميزة في سُبل الحكمة الضالة خلال العمل بروتين الدردشة المضني. لا!.. مستحيل!.. إنه قدري قد تجلى في مواجهة الكراهية للطفيليات الوطنية.. في هذه الأثناء أطَلَّ منطق العادة من غيبته لمساندة عَبير.. تجول في فناء الوزارة غاضباً، حاملاً سلاح التحرر بيده.. نادى على غريمه منطق الغاب وطلب منه متحدياً منازلته حتى يهلك أحد الفريقين، فوافق غريمه الغليظ القوي الجثة على طلبه، شاهراً سلاح التحجر الفتاك في وجهه. حضر جميع منتسبي الوزارة نزالهما في ميدان الدردشة.. هتفت عبير بلا جدوى لِمَثلِها الأعلى الذي جازف بحياته من أجل حقيبة المبادئ التي تحملها معها في حلها وترحالها، بينما آزر خصومها منطق الغاب بعنادٍ وحمية، وتعالت منهم صيحات الاستهتار والاستنكار في وجه خصمهم المنبوذ .. انتهى النزال ولقي منطق العادة حتفه .. خانَ عَبير التعبير، واختنقت بعبراتها وهي تشهد خاتمة قدوتها المأساوية، ونزيف الحقيقة المقطعة إرباً إرباً.. صدر قرار إداري تم بموجبه منح لقب المنطق الشهيد للصريع الفقيد، على الرغم من حَنَق الأغلبية عليه .. سار منتسبو الوزارة في جنازته الرمزية، وهم يحملون منطق الغاب المنتصر على أكتافهم، بدلاً من جنازة المنطق المفترض، وسارت عَبير مُقهورة مُكرهة تعقب خطاهم المُستقيمة بخطى مبعثرة تجر خلفها أذيال المبادئ.
#بلا_حدود