السبت - 25 سبتمبر 2021
السبت - 25 سبتمبر 2021

الخريطة الداعشية .. والصراعات الأيديولوجية

ما بين عشية وضحاها أصبح التنظيم الإرهابي الدولي المسمى «داعش» يستقطب شباباً في عمر الزهور، من جميع الجنسيات ومختلف الأعمار، تحت وهْم التضحية والفداء لدين الله. والأمر أصبح أشد خطورة مما يستوعبه الساسة، لأن الدين له سحره وجاذبيته، فباسْم الدين يصدقهم الغوغاء رغم كذبهم، وليس الغوغائيون فقط، بل قد يكون المتعلمون أيضاً ضمن وقود تلك المعركة الخاسرة، مثلما نجد خريجي كليات جامعية كبرى، مثل الطب والصيدلة ينضمون إلى مثل هذه الجماعات الإرهابية، زعماً منهم أنها السياج الآمن والدرع الواقي لهذا الدين. ولسنا في حاجة الآن للنداء بالمراجعات الفكرية لأن المشكلة أكبر من أي مراجعات، فهي تحتاج إلى علاج جذري ثقافي وديني وقانوني، بحيث يتكاتف عقلاء الجنس البشري أجمع لمواجهة التطرف بكل أشكاله. والآن .. وبعد أن أصبح التنظيم الداعشي له وجود على أراضي عدة دول عربية وأفريقية، مثل الجزائر ونيجيريا وسوريا ولبنان وباكستان، وبعد أن أصبح يهدد أمن المجتمع الإنساني الدولي، وبعد أن استطاع استقطاب شباب في عمر الزهور باسم الدين، وباسم الجهاد في سبيل الله، هكذا من دون ضابط ولا رابط، وهكذا من دون قيد ولا شرط، كل ذلك يزيد المعضلة تعقيداً. لقد أعلنت طالبان الباكستانية ولاءها للبغدادي الذي ادعى الخلافة، وأرسلت له جنوداً وزودتهم بأحدث الأسلحة، وزعمت أن التنظيم جاء لخدمة الإسلام! مكمن الخطورة أنه يتم سحر البسطاء باسم الإسلام، ويتم استقطاب أنصاف المتعلمين باسم الدين، وإلا لما وجدنا الهندي بجوار الصيني إلى جانب الإنجليزي والعربي في هذا التنظيم. اختلفت ألسنتهم واتحدت غاياتهم حول الباطل وأهله، تحت تأثير إبليس وجنوده الذين نجحوا في إجراء عمليات غسيل مخ لا مثيل لها في التاريخ. ويتشدق التنظيم ومؤيدوه يوماً بعد يوم، فالصراع في ليبيا التي أصبحت دولة ميليشيات على أشده، والإسلاميون هناك ينتظرون المدد من خليفتهم، ويتمنون الأماني ويصدقون وهْمَ الخليفة الذي صنعوه. وفي العراق وسوريا، واللتان هما أرض المعركة ووقودها بالأساس، يقع الناس تحت نير القصف والظلم والغدر، ويا ليته قصف إسرائيلي أو أجنبي حتى نصطف كلنا ضده صفاً واحداً، ولكنه قصف من دعاة الإسلام وزاعمي الذود عنه من «الدواعش»، متى كان الإسلام قاصفاً؟ ومتى كان الإسلام معتدياً؟ عندهم .. وعندهم فقط أصبح الإسلام متهماً من الجميع. وألحقوا بالإسلام عاراً بأن أنشؤوا سوقاً للنخاسة تباع فيه نساء النصارى، فيأخذون الجميلات للأمراء، ويبيعون فضل حاجتهم. إن الخطورة الحقيقية من وراء هذا التنظيم هي اتساع خريطته بسرعة مذهلة تحت تأثير الدين، ووهم الخلافة التي عادت على يد القتلة والظالمين، ثم تحويل هذا الصراع إلى داخل الجسد الإسلامي ليصبح صراعاً بين السنة والشيعة، ليذبح المسلمون بعضهم بعضاً باسم الدين، وليتحول الصراع من الأسباب السياسية كما عهدناه في الماضي إلى أسباب أيديولوجية، يحكمها التعصب الأعمى، وتسيطر عليها الأهواء، وتغذيها العقيدة، ويدفع ثمنها البُرآء من الأطفال والنساء، الذين لا ناقة لهم ولا جمل. إن التحول الكبير في مجرى الخريطة الداعشية نذير خطر، وعلى عقلاء البيت الأبيض أن يدركوا مكمن الخطورة الحقيقية، فالدين مركب خطر، والجهلاء وأنصاف المتعلمين الكثيرون في عالمنا الشرق الأوسطي قد صعدوا المركب، والشرر المتطاير من «داعش» قد يحرق الجميع، فكلنا في خندق واحد .. فإما عودة السلام والوسطية، وإما بحار من الدماء تجري من شرق العالم إلى غربه، من دون تفريق بين عظيم وصغير، فالكل خاسر في تلك الفتنة القذرة، وشررها سيدمر الجميع، فهل تدركون يا ساسة العالم قبل فوات الأوان.
#بلا_حدود