الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

عندما تصعد الفوضى على الثورة

الثورة في أبسط معانيها هي عملية تغيير شعبي تنطلق من عجز أو تقاعس أو تجاهل الحكومات للمطالب الشعبية في التغيير والإصلاح، وتستهدف اجتثاث النظام الفاسد وإقامة نظام حكم رشيد يحقق العدل والمساواة، لكن بلا شك هناك تحديات كثيرة تواجه الدول في مرحلة بناء نظام ما بعد الثورات، فهناك مسار محدد للثورات وهو التقدم نحو تحقيق أهدافها، والخروج عن هذا المسار يعني انزلاق الثورة إلى حالة الفوضى لتتحول إلى ثورة على كل شيء، الفاسد والصالح، وتكون غايتها اللانظام بدلاً من بناء النظام، بل قد تتطرف أكثر لتثور على أهدافها: (المساواة .. العدالة .. القضاء على الفساد)، وهنا فإنها تنحدر إلى ثورة الغوغاء المتطرفين الذين ليس لهم هدف سوى الثورة في حد ذاتها. فقد يثور الشعب على حكومته الفاسدة، لكن حين تتحول الثورة إلى ثورة على الدولة تنزلق الثورة إلى الفوضى، ومن ثم تفقد الثورة معناها ومضمونها وأهدافها في إصلاح الفساد، عندما تكون ثورة على القيم .. الثورة على النظام من أجل اللانظام ، فبكل المقاييس إننا بهذا المعنى بصدد فوضى وليست ثورة، تخرج عن كل المسارات والقواعد ومنطق وعقل الإنسان الذي لديه دافع فطري في أن يبحث دائماً عن الاستقرار والنظام والأمن وإقامة المجتمعات وليس هدمها. وبلا شك هناك خط تقع عليه الثورة والفوضى كنقطتين متباعدتين على طرفيه، والمسافة بينهما هي بالتأكيد فلسفة التغيير نفسها، التي تعتبر من العوامل الرئيسة المؤثرة في تقدم الثورات نحو تحقيق أهدافها وتباعدها عن الفوضى، وأعتقد أن تصفية هذه الفلسفة من أي شوائب في مجتمعات تعددية سوف تحمي الثورة من الانزلاق في نفق التطرف والعنف والفوضى. وهذا ما حدث بالفعل في العديد من دول الثورات، فبلا شك تأثرت الثورة في سوريا بالأبعاد الطائفية والدينية، لأن فلسفة التغيير لدى الطرفين لا تقوم على أسس وطنية خالصة وإنما هي فلسفة طائفية ومذهبية متطرفة، وهذا ما يجعل اليمن الآن مهدداً بالانزلاق إلى الفوضى، وليس من مخلص له إلا مشروع تغيير وطني خالص من كل شعارات ورايات طائفية أو مذهبية. وكانت مصر يمكن أن تشهد سيناريو مماثلاً، لولا أن الله حفظها وجعلها بلداً للأمن والأمان، لأن فلسفة المشروع الإخواني في التغيير قد حملت في طياتها أبعاداً دينية متطرفة عن إطار الإسلام السني المعتدل الذي يحتوي كل الطوائف الدينية الأخرى ولا يميز أو يفرق بين المصريين، ويقوم على فلسفة وطنية خالصة أساسها أن الدين لله والوطن للجميع، لكن حملات التكفير والتطرف والإمبريالية بلا شك قد أخرجت الثورة من مسارها وكادت تنزلق بالبلاد إلى الفوضى وعدم الاستقرار. على أية حال، إن فلسفة التغيير الثوري هي فلسفة مستمرة على كل فساد، وهي فلسفة لا تقوم على الهدم والتدمير، وإنما الإصلاح والتقويم، هي فلسفة خالصة ونقية من كل أنانية أو مصالح ضيقة، لا تقبل أي خصخصة أو استغلال طائفي أو فئوي، إنما هدفها ومنتهاها هو الشعب بكل مكوناته، لا تقبل القسمة أو التجزئة. إنما المظلة التي تحتوي كل المصريين تحت راية واحدة.
#بلا_حدود