الأربعاء - 22 سبتمبر 2021
الأربعاء - 22 سبتمبر 2021

مزاعم «هيومن رايتس ووتش» لا يقبلها المنطق

نشرت منظمة هيومن رايتس ووتش (مراقبة حقوق الإنسان) قبل فترة تقريراً باللغة الإنجليزية وترجمته إلى اللغة العربية، تضمن مزاعم عن إجراءات قمعية تقوم بها سلطات دولة الإمارات ضد أفراد مواطنين ومقيمين على أرض الدولة. وباستقراء هذا التقرير يتبين أن هناك تخبطاً واضحاً فيه من عدة أوجه، ابتداء من عدد الأشخاص المدعى اختفاؤهم، ثم المزاعم غير المترابطة التي سردها المقال عن الدولة، ووصولاً إلى تناقضٍ وتفككٍ في سرد الوقائع فيه، والتي تؤدي في مجملها بالنتيجة إلى تشتيت القارئ بين عدة مواضيع مختلفة، تصل إلى إثارة مزاعم غير صحيحة عن الدولة والنظام الأمني فيها. لقد بدأ التقرير بالتطرق إلى حادثة اختفاء ستة عشر شخصاً، شرح منهم حالة اثنين ولم يتطرق إلى الباقي، وترك الكلام عن هؤلاء المزعوم اختفاؤهم فجأة، وشرع في انتقاد إجراءات قانونية ومحاكمات حصلت قبل عدة سنين علانية، وبتغطية إعلامية، ومن دون أي تكتم، وصدرت فيها أحكام ثبتت منها نزاهة وحياد واستقلال النظام القضائي في دولة الإمارات العربية المتحدة، كما ثبت منها التزام الأجهزة الأمنية بالنظام القانوني للدولة، وزيف المزاعم التي أثيرت في ذلك الوقت عن خروق حقوق الإنسان التي حصلت في تلك القضايا. حاول الكاتب في تقريره استخدام ألفاظ تحوي تلميحات سياسية ذات نزعة تفريقية تربط المدعى اختفاؤهم بجماعات إسلامية، بطريقة تخلع من عداهم من وصف الإسلام، وأخرى تثير الحفيظة وتجلب التعاطف مع المزعوم إيقافهم أو اختفاؤهم مثل (تعسفاً وقسراً وسلوك قمعي) .. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن في هذا الصدد هو: ما المقصود بالتعسف والقسر والقمع؟ ومتى تستخدم مثل هذه المفردات؟ إن التعسف في اللغة هو الغلو في استخدام حق معين، ومنه نظرية التعسف في استعمال الحق، كما قد يقصد منه الظلم، وهذا في حد ذاته دليل على أن الإجراء المتخذ صحيح وحق لمتخذه، إلا أنه وصف بالغلو، وهذا أمر يعتمد على نوع الإجراء. والقسر هو الإجبار والإكراه على عمل معين، ولا يخفى على أحد أن إيقاف المجرمين هو إجراء استثنائي منظم من قبل المشرع، وأما القمع فهو الزجر والردع، وهذا يستوجب أن يكون المقموع مخطئاً في أمر ما استدعى زجره وردعه عنه. وغالباً ما تثار مثل هذه المصطلحات في معرض تطبيق القانون الجنائي على أشخاص اشتبه في ارتكابهم لمخالفة قانونية استوجبت اتخاذ إجراء قانوني معين ضدهم، ويريد المستخدم لهذه الألفاظ توجيه الرأي العام لمصلحة هؤلاء المجرمين، ومثال على ذلك إيقاف مهربي المخدرات والمتهمين في جرائم قتل أو غيرها من الجرائم. ومما لا يخفى على أي إنسان أن هذه الإجراءات محكومة ومنظمة بقانون إجراءات جزائي يؤدي تجاوزه إلى بطلان إجراءات الضبطية القضائية، وبالتالي براءة الموقوف إذا كان هنالك موقوف فعلاً، أي يكون السؤال المطروح في هذا الصدد: ما وجه التعسف في اتخاذ إجراء قانوني ضد من يخالف القانون؟ أطلق التقرير على عملية توقيف المجرم مصطلح «احتجاز تعسفي»، ثم في معرض آخر «سلوك قمعي»، وتطرق إلى تعريف الإخفاء القسري، فعلى فرض وجود موقوفين لا يعلم أحد مصيرهم، وهذا أمر لا يقبله عقل أو منطق، لوجود قانون إجراءات جزائي ينظم عملية احتجاز المجرمين، وتعلم هذه المؤسسة ـ التي تضفي على نفسها صفة الحقوقية ـ كل تفاصيله، ومدى الضمانات التي يحققها لأي متهم أو موقوف ارتكب عملاً يجرمه القانون، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى شرع هذا المقال في سرد وقائع عملية توقيف منظمة بقانون الإجراءات الجنائية، ثم عاد مناقضاً نفسه بأن وصفها بالإخفاء القسري في محاولة منه للتدرج في الوقائع كي يضفي على عملية تطبيق القانون مصطلح احتجاز تعسفي أو إخفاء قسري. إن لكل دولة نظاماً يحوي حقوقاً وحريات تدور في فلكه، وتنظمها قوانين منشورة ومعلومة للجميع، وأهم واجب على الدولة هو حفظ هذا النظام والحريات والحقوق التي يحفظها، ومن ذلك التعامل مع أي سلوك مخالف للقانون وتطبيق القانون عليه، سواء كان صغيراً يصل إلى مستوى مخالفة مرورية، أم جريمة مروعة تهدد استقرار المجتمع، ولا يستثنى من ذلك شخص معين، أو جهة معينة، وإلا كانت الدولة مخلة بواجب من أهم واجباتها. إن مؤسسة مثل هذه المؤسسة مطلعة، وعلى علم أكثر من غيرها بكل القوانين، ومدى حفظها للحقوق والحريات، وضرورة تطبيق القانون لحفظ حقوق المجتمع وحرياته، ولكن جميع ما ورد في ذلك التقرير يثير تساؤلات حول الغرض السياسي المنشود من نشر مثل هذا الكلام بهذه الطريقة، ومصداقية أهداف ناشره، ذلك أن مؤسسة مثل هذه ـ ترفع شعار المحافظة على حقوق الإنسان ـ تعلم أن من أهم حقوق الإنسان حفظ النظام المجتمعي وتطبيق القانون ودرء الفوضى عن المجتمعات بمكافحة الجريمة أياً كان نوعها، كما تعلم جيداً أنه ليس لها الحق في دعم جماعات مخالفة للقانون بأي حجة كانت.
#بلا_حدود