الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

مع برامج التواصل المجاني ينكشف المستور

تقول إحداهن: أصبحت قريبتي الموجودة في قارة أخرى ترى كل ما هو جديد مما أدخلته إلى بيتي، وهي قد أصبحت صديقتي منذ أيام المدرسة .. تعلم حالتي المزاجية وتقلبات أحوالي. لقد أصبح في مقدورك أن تَعلم حالة المزاج لصديقك، وأسخن خبر يدور في حياته، من خلال حالة الواتس أب، وكذلك يمكنك أن ترى صوراً لحياته وأطفاله وأهله وكل من يعزّون عليه، أو صورة تشرح ما يكنه في صدره .. فحالة الواتس أب هي كلمات تختصر شيئاً ما في قلوبنا، نقولها لمن يهمهم أمرنا، ولكن نقولها بصمت. تتيح تلك الكلمات للجميع أن يعلموا ما في قلوبنا تجاه شيء أو شخص ما ولكن جهراً.. عندما ظهر برنامج اتصال تسجل فيه برقمك الخاص ثم تكتشف أنه قد أرسل لجميع الأرقام المحفوظة لديك المرغوبة وغير المرغوبة رسالة تخبرهم بأنك أصبحت مستخدماً لبرنامجهم، بمعنى: هيا .. كي تتواصل معه .. وتتفاجأ بأن غير المرغوبين يحدثونك عبره .. وعندما يتيح لك برنامج أن تأخذ منه أرقاماً تهمك ويأخذ هو بالمقابل جميع الأرقام بمسمياتها عندك، هنا تضيع الخصوصية ويصبح من هب ودب يمكنه أن يحصل على رقمك الخاص، وأرقام أفراد أسرتك بالطبع .. إنها التكنولوجيا التي أصبحت تجعل كل مستور مكشوفاً. كم أحن لتلك الأيام التي إن أردنا تصوير شيء ما نحضر فيلماً للتصوير، وكي نرى الصورة نذهب لتحميضه بمبلغ مادي، تلك الأيام كانت للصور قيمة، أما اليوم فلم تعد للصور الإلكترونية أي أهمية، فلم نعد نحتفظ بها في أدراجنا المغلقة، ولا تحت مخدات نومنا، لا نستطيع تلمسها، بل قد نفقدها بلمسة زر بالخطأ. بالنسبة لي، كل شيء نمتلكه بعد دفع ثمن مالي فيه يصبح له مكانة وقيمة ومعنى، فبالنسبة لتلك الرسائل والاتصالات المدفوعة مالياً وليست مجانية فكان لها احترامها وتقديرها الخاص في أن نكون مجبرين على الرد، فقد كلّفت مُرسلها أن يكون لديه رصيد مالي كي يتمكن من الإرسال أو الاتصال .. فأصدق الرسائل هي التي كانت تصل بين المتحابين باقتطاع جزء من الرصيد المالي للموبايل لأن المشاعر المرسلة بدفع ثمن هي الأجدر بها أن تُصدق لما تحمله من إصرار لإيصالها. كانوا يستودعون رسائلهم ويطمئنون لوصولها بوصول « تقرير التوصيل». أما اليوم فرسائلنا تصلهم ونرى بأنه تمت قراءتها أو لم تتم بعد، بل قد نجد متلقيها متصلاً ويقرؤها من دون أن يرد في لحظتها. فعلاً تلك البرامج الإلكترونية قلّلت فرحنا بانتظار الجواب. اليوم أصبح متاحاً أن يرسل المتحابون فيما بينهم قصائد من ألف حرف، وألبومات من الصور الخاصة، ويتهادوا الأغاني فيما بينهم، فتلك البرامج المجانية أتاحت للجميع أن يرسلوا الكثير، فضاعوا بين الكثير المتاح إرساله، واحتل بُخل الكلمات والسؤال اليومي عن بعضهم حتى تباعدت بينهم مسافات العاطفة لأميال .. بل وأصبح الطرف المرسل يرى رسالته المملوءة بعواطفه تصل ويتأكد من رؤية الطرف الآخر لها، ثم يتأخر الجواب .. هنا ماتت لهفة الاشتياق لوصول الجواب. من جانب آخر أقول: يوماً ما لا تستغرب أن تجد صورتك أو فيديو لك وأنت تقوم بفعل جيد أو سيئ .. كي يكون قضية رأي عام .. في زماننا هذا أصبح فيه الشخص يلتقط صورة لحادثة سريعة ويرسلها كخبر .. أصبحنا لا نفوت صغيرة ولا كبيرة إلا وقد قرأنا لها خبراً، ورأينا لها صورة، فعلاً التكنولوجيا المخيفة تحتلنا وتفتك بستر خصوصياتنا. أنتقد وبشدة جميع البرامج بالرغم من استخدامي وحاجتي لها، لكنها تعدّت الحدود فأصبحنا مجردين من ستائر تحفظ لنا الخصوصية، ومن جدران تعزل النظر والسمع عن حياتنا .. وفي الأخير أترك لكم التعليق على مواقفكم مع تلك البرامج وأهميتها التي تتساوى مع ضررها في أن تكون يوماً ما ضدك.
#بلا_حدود