الاحد - 13 يونيو 2021
الاحد - 13 يونيو 2021

الإسلام ومدنية الدولة

اختلفت النظرة إلى المقصود بالمدنية في الوطن العربي والإسلامي، فهناك من نظر للمدنية على أنها المرادف للحرية المطلقة، إذ للفرد على هذه النظرة أن يفعل ما يشاء كيفما يشاء، على النحو الذي يشاء، بصرف النظر عن كون هذا الفعل يتفق مع الدين والأعراف والتقاليد أم لا، وهي النظرة التي نرى أنها لا تخدم الوطن ولا تخدم الدين، وهناك نظرة تنظر للمدنية على أنها إيمان بالتعددية، وهي تؤمن بالحرية المقيدة، التي تقف عند حدود الإضرار بالآخرين، وتحمل في جعبتها الاعتراف بحقوق الآخر، وحقوق الملكية والحفاظ على حرية المال والنفس والعقيدة، وهي النظرة التي نرى أنها مقبولة ديناً وعقلاً. وعليه فإن الدولة المدنية الحديثة ليس فيها مكان للثيوقراطية أو الاستبدادية بكل أشكالها المعروفة عبر التاريخ، ويمكن القول إن الدين الحنيف لا يمنع من قيام دولة مدنية، بل أظن أن التاريخ الإسلامي شاهد على العديد من النماذج على ذلك، بصرف النظر عن بعض النماذج المخالفة، وإذا كانت مدنية الغرب وديمقراطيته تقوم على أساس حكم الشعب لنفسه، بالاستناد إلى شرعية الأغلبية التي أتى بها الانتخاب الحر، وهو ما يسمى الديمقراطية، فإن مدنية الحكم الإسلامي تقوم على الأساس نفسه، وهو ما يسمى في الإسلام الشورى. والمتأمل في نص الوثيقة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم بعد دخوله المدنية يتأكد كيف كان الإسلام يؤمن إيماناً جازماً بالتعددية الدينية والمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، فليس في الإسلام دولة ثيوقراطية، تقوم على حكم رجال الدين، لأنه ليس في الإسلام ما يسمى برجال الدين ورجال الدنيا، وهو أمر وإن كان موجوداً في الديانات الأخرى، فإنه ليس له أصل في الإسلام، وإلا لماذا لم يختر الرسول صلى الله عليه وسلم خليفته من بعده؟ ولماذا كانت أولى كلمات أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عند تولي كل منهما الخلافة تحمل معنى التقويم له، لا الإذعان له. ومن مبادئ المدنية والديمقراطية العمل على مبدأ تداول السلطة، فالمنصب ليس مخلداً لأحد، وهذا وإن كان واجباً في المناصب الصغيرة، فهو أوجب ما يكون في منصب الولاية العامة، فالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم لم يستخلف أحداً لحكم المسلمين بعد موته، كما أنه لم يجعل من قيادة الجيش أحداً بعينه حتى الموت، وإنما كان نبراساً في تداول السلطة عندما أمّر أسامة بن زيد على قيادة الجيش، وهو ابن الثامنة عشرة من عمره، على الرغم من أن الجيش كان يزخر بالقادة العظام من أمثال أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ويكفي أن نعلم أن أبا بكر في بداية حكمه خطب في الناس قائلاً: أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، وانظر إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما تولى الخلافة إذ قال: إذا أخطأت فقوموني. وإذا كنا نرى أن الإسلام هو النموذج المثالي الذي يلبي حاجة المسلمين، والقابل للتطبيق في جميع مناحي الحياة فإنا نرى في الوقت نفسه أن التطبيق الخاطئ من قبل بعض التيارات الدينية هو الذي أصاب صورة الإسلام بالتشوه، ومن ثم وجب على التيارات الإسلامية أن تستعيد المضمون الإسلامي في الحكم بأخلاقياته وعدالته، وأن تستند إلى الإسلام الصحيح، ومن ثم كان من اللازم على ممثلي التيار المدني أن يعلموا أن هناك فرقاً يجب أن يكون حاضراً في أذهانهم بين الإسلام كمصدر رئيس للتشريع من خلال القرآن والسنة، وبين التفسيرات التي تدور حول نصوص هذا المصدر برافديه، فالنصوص الشرعية مطلقة ومقدسة ولا تخضع لمبدأ النسبية، في حين أن التفسيرات التي تدور حول هذه النصوص والتي تصنع مرجعية لبعض التيارات الدينية، تعد نسبية وليست مطلقة، لأن الاجتهاد البشري لا يخلو منها، وإذا دخل الاجتهاد البشري في مسألة فإنها تخضع للحكم عليها بالصواب أو الخطأ، لأنها ترتبط بعوامل زمانية ومكانية وأيديولوجية. ومن ثم كان على الجميع أن يفرق تفريقاً واضحاً بين النص المقدس، وفهمنا وتأويلنا له، فأي خطأ يشوب فهمنا للنص لا يكون بحال سبيلاً لنقد النص، لأن النص مقدس باعتبار مصدريته الإلهية، وإنما الخطأ يعود إلى من فهم النص، والذي كوّن لديه مرجعية ما، فالمصدر شيء والمرجعية الفكرية المفسرة للنص شيء آخر، فإذا أدركنا كمجتمع إسلامي ذلك انتصرنا على خمسين في المئة من مشكلة التعصب في بلداننا، وأمكننا قبول الآخر، لا قبول فكر وأيديولوجية، ولكن قبول تواصل يمكن أن يؤدي إلى البحث عن أطر مشتركة، تسعى لبناء أرضية من السلم الاجتماعي.
#بلا_حدود