الخميس - 24 يونيو 2021
الخميس - 24 يونيو 2021

كابوريا

خرج كابوريا من البحر للنزهة قرب ساحل رملي في الإسكندرية .. أسرع في خطواته، وهو يشعر بحرارة الرمل ترتفع تدريجياً تحت أرجله الـ 12 .. تكدّر مزاجه مع مسير مضطرب بين الديمومة والترجل عن عزمه .. لمح خلال تجواله كوخاً صغيراً يعود لصياد محترف، فسار نحوه ودخله خلسة .. تجول في فنائه، فأثارت انتباهه سمكة طليقة متخبطة، تقفز وتترنح يميناً وشمالاً، كأنها تتراقص على ألحان جلائها من الهواء المُذاب التي عزفها الصياد، موضوعة على طاولة خشبية ومهيأة للشواء قرب مقصلة الطعام .. خاطبها قائلاً: ما أتعس حظك وقد رسا ذوق الصياد على طهوك بهذه الطريقة، بدلاً من شوائك على الفحم الحجري، الذي يتيح لك فرصة الموت على الهواء الطلق، والحياة مدة أطول لفلوسك .. تعلق السمكة على كلامه بحرقة: وهل يترك السمك وطنه النهري، أو عالمه البحري إلا حينما يكون مرغماً؟ يتساءل كابوريا قائلاً: يا ترى من أرغمه على هذا المَساق البائس؟ فتات الخبز اليابس، أم فتنة ملاحية سوداء؟ هاجس المصير المجهول، أم الإهمال والنسيان في متباين الشطآن؟ سكن حراكها شيئاً فشيئاً، مذعنةً لخاتمتها، أجابت بلسان مقهور مكسور كشف عن فراق وشيك لها قبيل لفظها أنفاسها الأخيرة: الغربة عن الوطن تقلِّبك على الدفتين لِتشوى جيداً .. غرز الصياد سكينه في جوفها وأفرغ أحشاءها، ثم وضع السمكة الصريعة في وعاء المحرقة الساخن، لتطال جثتها حرارة الزيت المحترق .. قَلبها على حاشيتها شادياً: ما أطيب السمك! يشوى على النار، لحمٌ يغذينا، زيتٌ يقوينا .. لوّح كابوريا للسمكة بمخلبه الضخم مودعاً، قائلاً في نفسه: وداعاً أيتها المسكينة! يا لضعفك! ويا لجهلك! فلو حصنت بدنك بدروع قشرية كالتي في بدني، لما أصبحتِ لقمةً سائغةً للصيادين .. وأطرق برأسه برهة، ثم سار بحذرٍ شديدٍ نحو الصياد.. غرز مخلبه الضخم في عظمة إبهام قدمه، وفر مختبئاً خلف حُزمة قشّ موضوعة في أحد أركان الكوخ. صرخ الصياد: آه يا ني يَمَّة! سالت الدماء من قدمه، تأرجح في المسير متألماً وهو يهم لإطفاء البوتاغاز، وخرج من كوخه على الفور قاصداً طبيب الساحل للعيادة .. تَسلّقَ كابوريا جدار المذبح ليصل وعاء السمكة التي قضت بداخله نحبها وأصبحت جاهزة للأكل .. تآزرت خمسة أزواج من أرجله على سحب السمكة المشوية خارج وعاء الطهي، بينما قام زوج من أرجله بتقطيع أوصالها المشوية بمخالبه، وراح يتلذذ بأكلها: هَمّ إم .. صيادك ماهر وطاهٍ جيد أيضاً .. خَمّ هَمّ، ولكنه مغفل، نَسِيَ وضع المصيدة للغرباء أمثالي.
#بلا_حدود