الأربعاء - 16 يونيو 2021
الأربعاء - 16 يونيو 2021

يؤذيني أن أرى الصغار يكبرون

يُحكى أن صغيراً خرج للعالم .. صرخ صرخته الأولى بين أحضان أمه .. كان سعيداً في عالمه إلى أن فاجأ المخاض أمه وبدأ بالخروج والتنفس والصراخ .. مر شهر وشهران وسنة وسنتان .. وبدلاً من الصراخ والمناغاة غير المفهومة أصبح ينطق بعض الكلمات .. فهل أصبح له رأي؟ لم يحن الأوان بعد .. فهناك ما ينتظره، ليُخمد رأيه قبل أن يتعلم كيف يكون له رأي. يكبر الطفل الصغير ليُنفذ التعليمات .. استحم .. البس .. اكتب .. رتب .. كُل .. اصمت .. نم .. وليسكن عالم كلمة لا .. لا تصرخ .. لا تلعب .. لا تضرب .. لا تُكسر .. لا تُخرب .. لا تتكلم .. خرج من بوتقة المنزل .. لأحضان الروضة أو المدرسة ليتلقى التعليمات الأقسى والأصعب، فمتنفس اللعب لم يعد موجوداً، هناك العديد من الواجبات والالتزامات وموعد للحضور والانصراف.. هناك لا خيار في أن تُقرر ماذا تريد، فكل الأمور مدروسة بروتين قاتل، وكل الأوامر محفورة في ذاكرة قديمة .. تتطلب منه الإصغاء فقط .. لا التحدث. ففي عالمنا لا يُدرك المُربي سواء كان أباً أم أماً أم معلماً أن للطفل حياة خاصة به يستحق أن نحترمه وأن نتواصل معه بشكل صحيح .. يستحق أن نسمعه كما يسمعنا، يستحق أن نُساعده على بناء شخصية مستقلة. إن كنت أباً أم أنكِ أم .. أم معلم / معلمة لا يحق لك ألا تمنح الأطفال شيئاً من الفهم، فهم حقوقهم قبل أن تطلب منهم واجباتهم .. لا يحق لك أن تسلبهم الحب والحنان والرعاية المنتظرة منك .. لا يحق لك أن تتذمر من كونهم لا يتبعون التعليمات .. وأنهم جيل مختلف لمجرد أنهم عارضوك. زن الأمور بنصاب الحق .. ستجدهم الأجدر بأن نحترمهم .. نسمعهم .. نلبي احتياجاتهم .. فهم الغد. لذا لا أحب رؤية الصغار يكبرون، ومَن حولهم يتجاهلون احتياجاتهم، سواء بقصد أو من دون قصد، يعلمونهم الطاعة العمياء من دون الاعتراض .. يعلمونهم الإصغاء من دون فهم .. يعلمونهم الانزواء والسلبية والاستكانة للأمور والمواقف من حولهم .. تقبلوا أخطاءهم .. تقبلوهم كصغار، كمراهقين .. ليتقبلوكم كمرشدين موجهين لهم .. لا كسلطة تسن العقوبة، وتمنح العفو بالانصياع لأوامرها.
#بلا_حدود