الجمعة - 25 يونيو 2021
الجمعة - 25 يونيو 2021

من هان عليه وطنه الجميل

أتساءل: لم غالباً ما يكون ميزان العدل مائلاً في يد من يملك القرار. منذ نعومة أظفاري أحار في فهم لم كان والدي يعاقب جميع أفراد الأسرة إن أساء أحد أخوتي أو تصرف بما لا يرضي مزاجه الصعب، فيحشرنا في غرفة ضيقة ويستل حزامه من حول خصره ليوزع علينا ضرباته الموجعة يميناً ويساراً وعلى جنوبنا وأحيانا يتلقى البريء - مثلي أنا - أكثر مما يتلقاه المسيء من لسعات حزام أبي الخارقة الحارقة. وكذلك في المدرسة حيث كان هناك بعض الطلاب المشاغبين يثيرون الفوضى في الصف فيقوم الأستاذ بمعاقبة جميع طلاب الصف يحمل عصاه الموجعة ويقوم بضرب الجميع بنفس الشدة، رغم أنه يعرف تماماً من المجرم ومن الضحية. وحيث إنني كنت من الطلاب المجدين وممن يكرهون إثارة الشغب، فقد كنت أستنكر طريقة العقاب تلك التي يذهب بها الصالح مع الطالح ويتساوى فيها المشاغب مع العاقل في شدة العقاب، فيرد الأستاذ وهو يرغي ويزبد: كلكم أوغاد من طينة واحدة. وغالبا ما كان الأستاذ يستعمل نفوذه التكتيكي ليوصي باقي المدرسين بمعاقبة جميع طلاب صفنا. وها هو العدل ينحرف عن مساره الأخلاقي والإنساني بشكل جائر وبجرح غائر، بعد ما عاناه الشعب السوري في السنوات الأربع الأخيرة فيما اتفق على تسميته ثورات الربيع العربي والتي لا أراها سوى فوضى قطيع هائم، ولست أدري بأي اتفاق يسمى الموت والتنكيل والتهجير ربيعاً! مثل كثير من المصطلحات التي تعطي الاسم عكس معناه في لغتنا الفضفاضة، فمثلاً اصطلح على تسمية الدمار استعماراً والفوضى خلاقة وغير ذلك. بعد ذاك الذي جرى ويجري في سوريا من ترويع الآمنين والانخراط في نزاع مسلح مع النظام الحاكم بغض النظر عن مشروعيته من عدمها. ها هو الشعب السوري يعاقب من قبل العالم أجمع وتغلق في وجهه جميع أبواب البحث عن الأمان ويتساوى فيه المذنب مع البريء .. الصالح مع الطالح والمجرم مع الضحية. قال لي الكثير من أصدقائي الذين يرزحون تحت لظى براميل النظام المتفجرة وتحت سلطة حكم مهاجرين جاؤوا ليقيموا دولة على مقاس مصالحهم المبهمة وليعلموننا ديننا بقطع الرؤوس وإعادة عصر السبايا .. وعندما نحاول اللجوء بحثاً عن الأمان الذي يتوق له كل كائن حي وتضمنه كل قوانين البشرية، تغلق في وجهنا الأبواب وتسد منافذ النجاة ويكون العقاب للجميع وهناك الكثير من دول العالم لا يختلفون عن أستاذنا في المدرسة ولسان حالهم يقول: كلكم أوغاد من طينة واحدة، فمن هان عليه وطنه الجميل .. لا يبحثن عن وطن بديل.  
#بلا_حدود