الاحد - 20 يونيو 2021
الاحد - 20 يونيو 2021

الحوار وقبول الآخر في الإسلام

الإسلام دين الحوار وقبول الآخر، لا دين الانغلاق ورفض الآخر، دين الرأي والرأي الآخر، لا دين الصنمية والتحجر الفكري والغطرسة العقلية، بل هو دين قبول هذا الآخر ومقارعة الحجة بالحجة في إطار أخلاقي لا يمنع الجدل، ولكنه فقط يأمر بأحسن الجدل (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). ويضرب لنا القرآن الكريم الأمثلة العديدة على لغة الحوار مفهوماً وإجراء، من ذلك مثلاً حوار سيدنا موسى مع ربه، ذاك الحوار الشيق الذي تطرب له الآذان (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ) .. كان الرد يكفي إلى هذا الحد، ولكنه استطرد قائلاً (أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) موسى، عليه السلام، يستطرد في كلامه، والله برحمته يسمع، لم يقاطعه، لم يأمره بالاقتصاد في الكلام، لم يُعنفه على إطالته التوصيف من غير داع .. بل استمع إليه للنهاية ليدلل لنا على أهمية مهارة الاستماع، تلك المهارة التي هي من مكارم الأخلاق، والتي هي تفتح القلوب والأفئدة بين المتحاورين، ليُعلمنا سبحانه بذلك أدب الحوار وقبول الآخر. ثم انظر إلى حوار الأنبياء مع أقوامهم، إبراهيم، عليه السلام، مع أبيه، ذاك الحوار الطويل الذي ذكره القرآن مفصلاً في سورة مريم، ثم مختصراً في سور أخرى، ثم حوار لوط مع قومه، وحوار عيسى مع الحواريين، ثم حواره الرائع مع الله رب العالمين في نهاية سورة المائدة، ثم حوار الملحدين مع الأنبياء، مثل حوار النمرود الطويل مع الخليل إبراهيم (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) سورة البقرة 258. يبقى التساؤل الآن، لماذا ذكر الله كل هذه الأمثلة في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ ما ذكرها إلا ليُعلمنا أن الحوار هو السبيل الأوحد لحل المشكلات، وهو السبيل الأوحد للتواصل والتفاهم بين بعضنا بعضاً، فمن دون الحوار لا تواصل ولا تفاهم، ومن دونهما فلا حياة بالأساس. ويحث الإسلام على الحوار البنَّاء، الحوار القائم على الكلمة الطيبة وحسن الخلق، وليس حوار الصراع أو التصادم أو العنف، فيضرب الله المثل لتلك الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة الأصلية (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون) سورة إبراهيم 25،24. فالكلمة الطيبة تفتح القلوب وترقق الأفئدة وتضع أطراً للتواصل عبر بوابة المحبة والسلام والاطمئنان النفسي للآخر. والنبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، يحذرنا من شر الكلمة المستطير، الكلمة التي تخرج في الهواء دون أن يأبه لها صاحبها، فيقول «إن الرجل ليتكلَّم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في النار سبعين خريفاً». وعندما سأله سيدنا معاذ «أو مؤاخذون بما تقوله ألسنتنا يا رسول الله، فقال النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوهم إلا حصائد ألسنتهم». إن من أخطر أمراضنا الاجتماعية اليوم هو غياب لغة الحوار وقبول الآخر، وانتشار التخوين والشك والريبة بسبب ومن دون سبب، والإسلام ليس دين الشك، لم يأمر بالشك لذات الشك، بل الشك للوصول إلى اليقين، فيما يُعرف بمبدأ «الحذر»، والحذر واجب، لكن المبالغة في الشك في الجميع مرض يفتك بمجتمعاتنا وقد يودي بوجودنا ذاته، يقول الدكتور مصطفى النشار في كتابه: (ما بعد العولمة): «والحقيقة التي ينبغي أن ندركها جميعاً هي أن علامة صحة أي مجتمع والدلالة الأولى على تقدمه وتفوقه الحضاري هي إيمان أفراده بأهمية الحوار وتعدد الآراء كأساس إيجابي بناء يصل الجميع بموجبه إلى التماس أفضل الطرق للنهضة في مجالات الحياة كافة، سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية». وغياب الحوار بيننا دلالة خطيرة على وقوعنا في مآزق فكرية واجتماعية تعصف بوحدة المجتمع، وهو ما يؤدي إلى نتائج كارثية مثل عدم قبول الآخر والرفض الدائم للرأي الآخر، واندثار الثقة بين أفراد المجتمع وتفكك العلاقات الاجتماعية وغيرها من الأمراض التي يتسبب فيها بطريقة مباشرة غياب الحوار. إن جميع مشكلاتنا اليوم يمكن حلها، فقط إذا توافرت سبل التواصل عبر الحوار المخلص والبنَّاء، الحوار الذي يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرق، يوحد ولا يمزق، الحوار الذي تغزوه الكلمة الطيبة وتعلوه مكارم الأخلاق ويسع فيه الجميع الجميع، لأجل صنع مستقبل باتت الأخطار تهدده من كل جانب.
#بلا_حدود