الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

المستقبل العربي بين النص الديني وتجليات الواقع

ما التدين؟ .. التدين هو الاقتراب من فهم نصوص الدين الحنيف، على وعي المسلم، ثم الاقتراب من التمثل والممارسة الصحيحة له على مستوى الواقع الذي يزخر بالمتناقضات، وأي تشنج أو تشدد في فهم نصوص الدين وممارسته أو ضبابية في رؤية الواقع بجميع تقاسيمه يدخل المتدين في متاهة يطول بحثه فيها عن المخرج. ويبقى السؤال: متى نردم الهوة بين نصوص الدين وتجليات الواقع؟ متى نسمو بفهمنا وتطبيقنا لديننا إلى المستوى الذي يجعلنا نعيش (إسلامنا) بصورة عادية صحيحة من غير مغالاة ولا دروشة؟ في كثير من الكتب التي يزخر بها تراثنا الإسلامي وأدبياته، حديث طويل عن المشروع الحضاري العربي الإسلامي، وفي الكثير من الأحيان تأتي مقولات المتحمسين لهذا الشعار الذي يمثل بلا شك العودة إلى الذات، والتي تعبر عن حلم مكبوت بل ومغتال أكثر مما تعبر عن رؤية واضحة واستقاء علمي، إلا لدى جانب قليل من مفكرين قلائل يعتبرون فلتة التاريخ. وربما يذهب الحماس ببعض المفكرين بعيداً فيرفعون شعار المستقبل الإسلامي في قائمة علم المستقبليات في الغرب FUTURIBLE على التكهن بمستقبل العالم الإسلامي ورصد حركة التاريخ العربي الإسلامي على مدى عقود طويلة، ولدى هؤلاء مبرراتهم لرفع هذا الحمل واختيارهم لهذا الميدان، ولكن المؤكد كما يقول الجابري أن علم المستقبليات كما هو معروف في الغرب إذا طبق في بلادنا العربية الإسلامية، لن يقدم لنا سوى صورة طبق الأصل عن الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي المهلهل، وهذا ما يبدو واضحاً تماماً في الكتاب الذي ألفه الدكتور المهدي منجرة (الحرب الحضارية الثانية). إنه صورة مدمرة عن الواقع الكالح الأسود الذي ينتظرنا نحن المسلمين، ولكن ليس أفضل من الاهتمام بالمستقبليات التي لن نخرج منها سوى بنتيجة مكررة عن الواقع المدمر، أن تهتم بقول الدكتور الجابري بفهم الأحداث التي حركت المشروع العربي الإسلامي خلال قرون طويلة، والتي كانت دائماً قائمة من أولوياته ولم يكن يقبل المساومة فيها في يوم من الأيام، والتي بدونها يصبح كل عمل وكل جهد عبارة عن نفخ في الرماد ونقش على الماء، وهذا العلم الذي سوف يمهد لقيام علم مستقبليات إسلامي خاص بنا، هذه الأهداف كما يحددها الدكتور الجابري هي: أولاً: التركيز على عملية التوحيد (بمفهومه العقائدي) والوحدة بمفهومها السياسي، إنه الميل نحو توحيد الخالق في ألوهيته وربوبيته بكل ما تحمله من نظرة في الحياة والكون والإنسان، والميل دائماً إلى الوحدة بمفهومها السياسي، لذلك ظل الفقه السياسي الإسلامي يرفض على الدوام فكرة أكثر من خليفة للمسلمين، وربما كانت جميع المآسي التي أصابت الأمة الإسلامية نتيجة النزعة العصبية والمذهبية التي كانت تحركها أيادٍ مغرضة من اليهود في الأغلب، مدركة تماماً معنى الوحدة الفكرية والجغرافية والسياسية مشكلة خطراً على وجودها. إن تفتت المجتمع إلى فصائل متصارعة لن يخدم المشروع العربي الإسلامي في شيء، بل سيزيد اتساع الهوة بين أقطار الوطن العربي. ثانياً: كانت التجربة التاريخية العربية الإسلامية تهدف دائماً إلى الانتقال بالمجتمع من (خشونة البداوة إلى رقة الحضارة) كما يقول ابن خلدون. ومن يقرأ تاريخ النظم الإسلامية يجد أن تمصير الأمصار (المدن) هو هدف قائم بحد ذاته، فقد شيدت الكوفة والبصرة وعمرت دمشق وأنشئت الفسطاط في مصر والقيروان في أفريقيا، ثم توالت العواصم الحضارية الكبرى من بغداد إلى القاهرة، فضلاً عن الحواضر التي استجمعت شرقاً وغرباً، كبخارى وأشبيلية وقرطبة وغرناطة، هكذا كانت الانطلاقات الكبرى في تاريخنا الإسلامي، التي كان يقف وراءها نزوع قوي نحو التمدن بكل ما يحمله من منهج في التفكير وأنماط في السلوك، وكذلك جميع الانتكاسات في تاريخنا العربي كان سببها عودة النزعة البدوية. ثالثاً: الحرص الدائم على عقلنة الأشياء والارتقاء بالعقل المسلم من سيطرة الخرافة والأساطير إلى إدراك الأشياء العلمية وفهم القوانين التي تحكمها، ولهذا السبب اشتهر المسلمون دون غيرهم بالميل إلى المنهج التجريبي في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تعتقد أن الأرواح الشريرة هي التي كانت تتحكم في الظواهر الفيزيائية والبيولوجية، وفي المقابل كانت كل نكسة في تاريخنا مرتبطة بعودة الخرافة، والأمثلة في ذلك عديدة. هذه الشروط الثلاثة هي ضمانات نجاح المشروع العربي. * أستاذ مساعد، جامعة المسيلة، الجزائر
#بلا_حدود