الخميس - 17 يونيو 2021
الخميس - 17 يونيو 2021

السجال بين التنوير والجمود

يظن البعض أن عصر النهضة العربية ـ ومن ضمنه حركة التجديد والتنوير والإسلامي ـ قد نجح في تحقيق ما حققه بسرعة ودون مقاومة تذكر. والواقع أن أفكار النهضة والتجديد لم يكن من السهل تحت وطأة التقليد تقبلها واستيعابها من قبل عامة المدن وفلاحي الريف. فالمجتمعات العربية لم تشهد في عمقها التغيرات الرأسمالية المناهضة للإقطاعية ولم تقم الثورة الصناعية داخلها، بل لامست بعض جوانبها، وبقيت الثورة الصناعية وثمارها تدور في أطرافها دون اختراق بنيتها الأساسية. ونلمس في كتابات نهضويي ذلك العصر ومتنوريه اليأس من كسب العامة إلى صفوف التطور والتحرر والسير قدماً في معارج الحضارة. وكثيراً ما نال الأذى رجال النهضة سواء من السلطات الاستبدادية الإقطاعية الحاكمة أو من جماهير العامة الخاضعة لما يملى عليها. كانت عامة المدن والريف منتظمة في «الطرق الدينية» المتعددة ذات السمات الإيجابية والسلبية الثورية والخاملة الخانعة. وكان للجوانب الثورية دور بارز في تحركات عامة مدن بلاد الشام ضد الاستبداد والقمع. وجاء السلطان عبد الحميد (1878-1908) وسعى في الشام والعراق لاحتضان الصوفية وطرقها وخنق الجوانب الثورية فيها وترجيح جانبها السلبي الخامل المؤدي إلى الخضوع والخنوع والابتعاد عن المشكلات الاجتماعية.. وقد نجح عبد الحميد في كسب معظم «الطرق الدينية» إلى جانبه وتوجيهها توجيهاً ينسجم مع سياسته كسلطان ممثل للسلطة الإقطاعية العثمانية المنهارة في عصر الغزو الإمبريالي والصراع بين قوى الرأسمال الأوروبي على تقاسم الدولة العثمانية. ولهذا فإن الأقسام الرئيسة من العامة خضعت للسلطان عبد الحميد وسياسته المعروفة بالجامعة الإسلامية، وأمسينا نرى العامة تقف في أواخر القرن التاسع عشر ضد حركة التنوير والتجديد الإسلامي والنهضة العربية وذلك بسبب اعتقادها الخاص أن حركة التجديد والنهضة هي ضد الدين كما أوحى لها بذلك رجال الدين الموالون للسلطان عبد الحميد، وتستمر حركيتها بالنمط نفسه والشاكلة نفسها في مختلف الدول العربية وكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد، ويبقى المستقبل العربي حينها حلماً يحمل آمال وتطلعات مفكريه ضمن مشاريع تنويرية حبيسة الأدراج. مشتة ياسين * باحث في الفلسفة
#بلا_حدود