الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

مذكرات سائحة (1) .. الانطباع الأول

من بعد انقطاع عن التدوين، بل ربما انقطاع عن الكتابة، تفتحت أزهار قلمي في سرنديب، الجزيرة الخضراء الممطرة التي أسموها حديثاً (سيريلانكا).. مذكرات سائحة .. سلسلة من التدوينات، أسطر بها خلجاتي بلا ترتيب .. فهي ليست تقريراً عن رحلة، بل هي بعض الذكريات والملاحظات والتأملات صنفتها حسب الموضوعات. (1) المطار هو الواجهة التي من خلالها يكوّن الزائر الفكرة الأولى عن أهل البلد، والفكرة الأولى دوماً تسود ويصعب تغييرها لاحقاً. أجمل ما يكون عند زيارة أي بلد أن ترى أهله متمسكين ومعتزين بلغتهم وثقافتهم. عند خروجنا من الطائرة وفي الخرطوم الممتد منها كان في الاستقبال امرأة تمسك لوحة إرشادية تلبس الساري الذي كان مرتباً أنيقاً جميلاً عليها (لولا كشف البطن). كنت أظنها جاءت تستقبل أحد القادمين وأن واسطتها قوية سمحت لها باستقباله في الخرطوم! ولكن سرعان ما تبين لي أنها موظفة. أبديت بعض الاستنكار، لماذا تلبس موظفة زياً كأنها مقبلة على مناسبة أو عرس؟ أو ليس من المفترض أن يكون الزي موحداً وعملياً؟ رفعت رأسي أتأمل إعلاناً حائطياً، ثم نقلت عيني إلى آخر، فإذا بهما يحملان صورة فتاة بالزي ذاته تماماً، أطلقت بصري من حولي فإذا بي أرى نسخاً مكررة من تلك الآنسة حتى توصلت أخيراً إلى أنه الزي الموحد للموظفات. منظر يفرض عليك احتراماً تفترض أنك في المقابل ستنال مثله، بيد أن سيماء الناس في وجوههم لا في لباسهم. إن مجرد النظر في تلك العيون يعطي كمية كافية من الإدراك حول البرود الذي سيستقبلوننا به لأداء إجراءات الدخول، كأننا جئنا نشحذ منهم لا لنبارك أرضهم، البرود ليس قضية أمام الاستهتار. كم هو مخزٍ في حقهم أن نكلمهم فلا يردون وينشغلون بالدردشة والضحك مع من حولهم كأنهم يستهزئون بنا. في سيريلانكا لا يبتسم إلا الفقراء، وربما طمعاً في شيء يسمونه «هدية» (وأستثني من ذلك المسلمين منهم). خرجنا من المطار كمولود من بعد مخاض متعسر.. وأبصرنا الحياة خضراء كأنما هي صلالة عمان لكن بثوب حديقة الصفا في دبي، وأخذنا طريقاً داخلياً تظلله أشجارهم وتتفرع منه طُرق أضيق والناس من حوله يعيشون حياتهم الطبيعية، بيوت بسيطة وجميلة مرتبة على نمط كلاسيكي على الأرجح أنه متأثر بالاستعمار البريطاني. المشاة مكتظون على حواف الطريق، راكبو الدراجات فرادى وأزواجاً. سيارات التوك توك .. محلات الفواكه، ثمرات جوز الهند، وحزم الموز المعلقة رأسياً.. أرى ذلك كله من نافذة السيارة كأنما هي شاشة التلفاز تعرض أحد الأفلام الهندية. فقط كنت أتمنى لو توقفت بنا السيارة ونزلت أمشي في تلك الدروب أشاركهم الحياة. ـ مدونة: سرمدية النقاء https://sarmadiya.com
#بلا_حدود