الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

بين الأمل والأجل

تسارعت خطاه نحو الأجل، واشتاقت الروح للقاء بارئها، وتماوجت الأفكار والهواجس بين نعيم زائل في الدنيا لا محالة، وبين أنهار من عسل مصفى ولبن لم يتغير طعمه، فيها لذة سرمدية للشاربين. إلى جنات الخلد يا راشد، كان المرض قد دنا وتدلى منه، وأطل برأسه يبحث له عن مستقر ومستودع «غير دائم»، ليجد راشداً كان قد احتضنه كرهاً لا محبة، ومضت الأيام على غير ديدنها مسرعة. لا عليك أنت أخي القارئ، ولا عليك أنت أخيّة يا رعاكم الله، بل على من دنا أجله، وحان موعد رحيله مودعاً الأهل والأبناء، والصاحب والخليل، ولم تعد نظرته للأشياء من حوله على سالف عهدها، وتقهقر ذلك الصوت الجهوري، وأخذت شمعة السعادة الدنيوية بالانطفاء، تقاسمت كل هذه البوادر على من لا حول له ولا قوة، إلا بالله العلي العظيم، وأضحت صحته بين قوسين أو أدنى من ذلك بكثير. على حين غرة لم يستأذن السقم دار أحد قط، وها هو اليوم وقد طرق باب راشد رحمة الله عليه، وقد فتحت زوجه الباب مستقبلة تلك الرسالة الربانية، التي حملتها وهي مسلمة بقضاء الله وقدره، حيث عاشت حينها بين الرجاء والأمل واليأس، بين الفرح والحزن، بين البكاء والدموع، فقررت المواجهة الحتمية. فلك أخيّة تلك الكلمات التي أجد فيها حلاوة المعنى للنفس البشرية المطمئنة: يقول الحق بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي). الصبر أخيّة زهرة لا تنمو في حديقة كل إنسان يا رعاك الله، فاصبري واحتسبي الأجر العظيم بإذن الله تعالى. فلا نفقد الأمل، قد يثمر ما نيأس منه، أكثر مما يثمر ما نأمل فيه. وحملت الزوج على عاتقها عناء المشفى والمراجعات والسفر إلى دول أجنبية بحثاً عن بصيص أمل يعيد لها بسمتها وبريقها، ولكنه القدر، وقد أتى أمر الله تعالى حين قال (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، فقد اختاره الموت من دون غيره. وعلى المسلم المؤمن التسليم بقضاء الله وقدره في كل شيء، حتى وإن كان الأمر يتعلق بفقد من أحببنا في الدنيا، فحذارِ أحبتي في الله من السخط وإظهار الجزع من القضاء والقدر. وددت أن أذهب وإياك أخيّة إلى أجمل ما قاله سقراط حيث قال: للحياة حدان، أحدهما الأمل، والآخر الأجل .. بالأول بقاؤها، وبالآخر فناؤها. فأشعلي مصباح الحياة من جديد لتكتسب مزيداً من الوهج، فالحياة مستمرة في سيرها، وهي أشبه بالدراجة إذا وقفت سقطت، خططي لحياتك المقبلة بقلب من حديد، فالأهم والأجدر بك معرفتك لانتهاز الفرص واستغليها أفضل استغلال. يقول هيغو: الحياة في نظر الجائع رغيف، وفي نظر الفيلسوف مهزلة، وفي نظر الفنان مسرح، وفي نظر الطفلة الصغيرة لعب ولهو، وفي نظر الفتاة مظاهر، وفي نظر المرأة زواج أما في نظر الزوجة الصالحة فكفاح. فأحسبك أخيّة كذلك، جمعت بين دعائم الحياة السعيدة الثلاث، عقل راجح، وهذا ما أثبتته لنا تلك الأيام وما زالت تبرهن عليه، ونفس قانعة أرغمت الجميع على تقديرها واحترامها وعلو شأنها بين الأنام، وضمير تقي. وقبل أن أختم، نستشهد بما قال «إتيان راي»: الحياة رواية هزلية لمن يعيشون بعقولهم، ومحزنة لمن يعيشون بعواطفهم، ومسرة لمن يعيشون بإيمانهم.
#بلا_حدود