الاحد - 20 يونيو 2021
الاحد - 20 يونيو 2021

لغة المشتركات

كما تميزت اللغة العربية بين لغات العالم بثرائها المفرط في المترادفات والأضداد، تميزت أيضاً بثرائها البالغ في المشتركات. والمشترك لفظ تشترك فيه عدة معان، بحيث لا يُفَرِّق بينها إلا سياقُ الكلام، ومعاجم اللغة تعج بهذه المشتركات، بل من الأضداد ما هو مشترك إذ يشترك فيه المعنى وضده. انظر إلى قول الحطيئة يهجو الزبرقان بن بدر: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي فلفظتا «الطاعم» و«الكاسي» من المشتركات الضدية، فهي تعني الذي يطعم الناس (الفاعل) وتعني من يطعمه الناس (المفعول به)، وكذلك «الكاسي». والمشتركات في اللغة على نوعين: متقارب ومتباعد؛ فالمتقارب ما تقاربت المعاني التي يدل اللفظ عليها من بعضها بحيث تكون من المصدر نفسه، مثل كلمة العين، فهي تعني حاسة البصر في الإنسان والحيوان، وتعني نفس الشيء، وتعني نبع الماء، وتعني أثمن المال، وتعني الجاسوس، إلى آخر المعاني، وكلها متقاربة إذ يوجد بينها قاسم مشترك. ومثل كلمة الصدر، فهي تعني الوسط مثل صدر المجلس، وتعني البارز مثل صدر الحديث، وتعني أول كل شيء مثل صدر النهار، وتعني المركز الأفضل مثل قول أبي فراس: «لنا الصدر دون العالمين أو القبر»، وهكذا .. أما المتباعد فهو ما تباعدت معانيه بحيث لا توجد علاقة بينها أو قاسم مشترك، مثل كلمة «يقال» في الأبيات الآتية: أقول لظبي مرَّ بي وهو راتعٌ: أأنت أخو ليلى؟ فقال: يُقَالُ فقلت: أفي ظل الأراكة والحمى يقال ويستسقى، فقال: يُقَالُ فقلت: إذا مس المحبَّ صبابةٌ يقال من البلوى، فقال: يُقَالُ فكلمة يُقَالُ الأولى من القول، والثانية من القيلولة، والثالثة من الإقالة. فلا علاقة بين المعاني الثلاثة. وقد تفنن شعراء العربية في استخدام الألفاظ المشتركة كقوافٍ لقصائدهم، فعلى سبيل المثال: كلمة خال يشترك فيها ما يقرب من ثلاثين معنى في اللغة، أبدع بعض الشعراء في الإتيان بها في قصيدة واحدة؛ بدءاً بابن هشام الأندلسي (ت 577ه)ـ إذ يقول: أقول لخالي وهو يوما بذي خالي (موضع) يروح ويغدو في برود من الخالي (نوع من الثياب) ومنها قصيدة أحمد الضحوي (ت 1299ه) التي يقول فيها: تبدت فخلنا أنه أومض الخالُ (البرق) وماست فغار البان والرند والخالُ (ضرب من البرود) وقصيدة الحسن بن أحمد عاكش (ت 1280ه) بدأها بقوله: نسيم الصبا هبت وقد لمع الخال (البرق) فهزت غصون الروض إذ جادها الخال (السحاب) وقصيدة بطرس كرامة (ت 1276ه) التي مطلعها: أمن خدها الوردي أفتنك الخالُ (الشامة) فسح من الأجفان مدمعك الخالُ (السحاب) وأوسع من ذلك لفظة العجوز التي يشترك فيها ستة وأربعون معنى أوردها محمد بن عيسى الأزدي (ت 620 ه) في قصيدة واحدة. والمشتركات ترتبط بالبلاغة في اللغة العربية ارتباطاً وثيقاً خصوصاً بالجناس التام والتورية، وكلاهما من المحسنات اللفظية في علم البديع. فهل من لغة تضاهي العربية بهذا الثراء؟ د. أحمد السماوي
#بلا_حدود