الخميس - 24 يونيو 2021
الخميس - 24 يونيو 2021

حركات الإعراب

تتميز اللغة العربية باستخدام حركاتٍ تُضاف إلى حروف الكتابة، لتعطيها معنى جديداً قد يختلف اختلافاً كلياً عن بقية المعاني التي توحي بها نفس الحروف وبنفس الترتيب، كما أن هذه الحركاتِ توجه النطقَ بالحروف التي تصاحبها كما تفعله حروف العلة في اللغات الأخرى. وهذه الحركات تلعب دوراً كبيراً في التصريف الدلالي، فحركةٌ واحدةٌ قد تغير المعنى كلياً. خذ على سبيل المثال كلمة (وَجْد) بفتح الواو وسكون الجيم، تعني الشغف والحب والحزن، وبضم الواو وكسرها تعني الغنى والسعة واليسار. ومثلها كلمة (جَهْد) التي تعني بفتح الجيم وسكون الهاء المشقة والصعوبة، وبضم الجيم وسكون الهاء الطاقة الكبيرة والوسع، وبضم الجيم والهاء جمع جَهَاد؛ وهي الأرض المستوية. ويقال إن أبا الأسود الدؤلي كان أول من وضع الحركات على شكل نقاطٍ توضع باللون الأحمر فوق وتحت وأمام الحرف، لتوضيح الفتح والكسر والضم على التوالي، مع إهماله السكون، بهدف تجنب اللحنِ في القرآن الكريم، وتجنب نطق اللفظة بمعنى قد يؤدي ـ والعياذ بالله ـ إما إلى الشرك دون قصد المتكلم، أو إلى معنى مخالفٍ للقصد، كما في قوله تعالى «إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ»، فلفظ الجلالة يجب أن يكون مفتوح الهاء وهمزة العلماء مضمومة. وكذلك في قوله تعالى «وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّهُ بكلماتٍ»، فالباء في ربه يجب أن تكون مضمومة وميم إبراهيم مفتوحة، وإلا أتى القارئ بمعانٍ لا تجوز. وورد في تفسير قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة «زادك الله حرصاً ولا تعد» ثلاثة احتمالات: لا (تَعُد) بفتح التاء وضم العين، أي لا تعمل ذلك مرة أخرى، ولا (تُعِد) بضم التاء وكسر العين، أي لا تعد الركعة، ولا (تَعْد) بفتح التاء وسكون العين أي لا تسرع. وجاء مَن بعد أبي الأسود فزادوا علامة التنوين نقطتين فوق بعضهما، كما زادوا علامة التشديد؛ وكانت عبارة عن قوسين توضع فوق المشدد المفتوح، وتحت المشدد المكسور، وإلى جانب المشدد المضموم، حتى جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي فجعل الفتحة ألفاً والكسرة ياءً والضمة واواً، كما غيّر شكل الشدة إلى ما هي عليه الآن، وكذلك الهمزة إلى عين غير مكتملة (ء). ثم تطورت الحركات حتى أصبحت على ما هي عليه اليوم. ويظن البعض أن هذه الحركات تُعتبر قيوداً على الكتابة العربية، بينما في الحقيقة تزيدها جمالاً. ونحن نرى اليوم ما هي عليه كتابةُ بعض الملصقات واللوحات الإعلانية بدون حركات، من تحريفٍ للمعنى وتشويهٍ للألفاظ عند النطق بها. ويُعتبر أبوعلي محمد المستنير، المسمى قطرب، من أوائل من ألف في الكلمات التي تتفق في حروفها وتختلف في حركاتها وبالتالي معانيها، حيث سمى مؤلَّفه (مثلثات قطرب)، أورد فيه اثنتين وثلاثين مفردة بثلاث حركات، لكل مفردة تغير المعنى في أرجوزات جميلة. وقد وردت طُرفٌ كثيرة في تاريخ العربية تبين أهمية هذه الحركات، وأن استبدال حركةٍ بحركةٍ قد يؤدي بالمتكلم إلى ما لا يحمد عقباه. وأستعرض هنا في هذا السياق مثالين رائعين: الأول أنجى صاحبه من الموت بتغيير حركةٍ واحدة، والثاني صحّح كلام المتكلم وحط قدر المنتقد: 1. أخذ عبدالملك بن مروان عتبان الحروري صاحب شبيب الحارثي من الخوارج، فقال له: ألست القائل: ومنا شريدٌ والبطينُ وقعنبٌ ومنا أميرُ المؤمنين شبيبُ (بضم الراء في أمير) فقال: بل قلت: ومنا شريدٌ والبطينُ وقعنبٌ ومنا أميرَ المؤمنين شبيبُ (بفتح الراء في أمير) فحول كلمة أمير من مبتدأ مرفوع إلى منادى مضاف منصوب فشفع له ذلك، وعفا عنه عبدالملك. 2. وأنشد مروان بن أبي حفصة عند المهدي مطلع قصيدته: (طَرَقتكَ زائرةً فحي خيالها)، وعنده أبومحمد اليزيدي، فوثب اليزيدي قائلاً: لَحن والله وأنا أبومحمد، فأكمل مروان: (بيضاءُ تخلط بالحياءِ دلالها). فاستحى اليزيدي لأنه ظن زائرةً هي الفاعل بينما هي حال منصوب. هذه هي لغتنا الجميلة التي قال عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله «لغة حية غنية نابضة بالحياة».
#بلا_حدود