الثلاثاء - 22 يونيو 2021
الثلاثاء - 22 يونيو 2021

حضن الأخ الدافئ

لقد انتهيت لتوي من تناول وجبة الغداء الدسمة التي استمتعت بها جداً، وها أنا ذا أشرب كأساً من الشاي الساخن الذي أحبه، وأتلذذ به رشفة رشفة، زوجتي بالقرب مني تداعب هاتفها المحمول بكل رومانسية، وابنتي الصغيرة تتحدث إلى ألعابها بكل جدية واهتمام. أنظر إلى نافذتي المفتوحة التي يدخل منها نسيم عليل محمل بعطر الورود المزروع بالحديقة المتاخمة لبيتي، أتأمل شمس العصر الخجولة، وأشعتها المرسلة بكل حنان، لا هي ساخنة فتؤذينا، ولا هي خافتة فلا نحس بها. كل ما حولي يدعو للاسترخاء، ولم لا؟! أمن وأمان وسعادة واطمئنان، كل هذا والمزيد .. فالحمد لله، جاءني اليوم كتاب شكر من عملي، مع وعد قريب بالترقية، والمشكلة السابقة بدأت خيوط عقدها بالتفكك شيئاً فشيئاً. يرن هاتفي المحمول، لأجد أمي تسألني بكل حب عن أحوالي وصحتي وعن عائلتي الصغيرة .. لأرد بكل احترام بإيجابية وشكر لله على نعمه، وأن الأمور تسير على ما يرام، وفوق المتوقع كرماً من الله وفضلاً ومنة. اضطجعت على أريكتي الجديدة المريحة، واستلمت مخدة طرية أحب أن أوسدها ذراعي، أمسكت ( بالريموت كنترول) لجهاز التلفزيون الجديد، فلم يبق من الاستمتاع لهذه الجلسة السندسية إلا متابعة برنامج جميل، أو الذوبان مع لحن أغنية نرجسية في فضاء الموسيقى الأخاذ. كان المشهد الأول الذي فاجأني هو الغطاء الأبيض الذي يلف الشاشة كلها، فحسبت أن البرنامج يتحدث عن جماليات الثلج في الريف السويسري، أو معسكرات التزلج على سفوح الألب. لم تمض إلا لحظات حتى استفقت على حقيقة ما أرى .. إنها خيام اللاجئين السوريين في عراء الدول المجاورة .. خيام من قماش تفترش الأرض وتلتحف السماء، لا يجاورها إلا خيام مثلها، تنتصب مرتجفة في وجه الإعصار الثلجي الذي يلف المنطقة بأسرها، تنظر إلى تيارات الصقيع بعين تجمد الدمع في مقلتها، تحاول هذه الخيام الحديث، لكن العاصفة ألجمت لسانها فمنعته من الحركة فضلاً عن الكلام. إعصار ثلجي يجتاح المدينة .. قصدي المخيم .. حيث لا يوجد هنا مصدر للتدفئة. درجات الحرارة تجاوزت الصفر نزولاً إلى حد أخجل من ذكره، وقطع القماش التي كانت تسمى شبابيك والتي تستخدم لصد الزمهرير المقبل .. للأسف اهترت تحت قيظ شمس الصيف الفائت. تعداد اللاجئين المنثورين في عراء الدول المجاورة بوجه العاصفة الثلجية يتجاوز تعداد دول قائمة وموجودة على الخريطة، هذا مع فرق بسيط .. أن هؤلاء اللاجئين هم شعب بلا بلد، وأمة من دون دولة، ومجتمع يعرف الجامعة العربية من دون أن تعرفه. بدأت العاصفة تدور في ذهني .. كيف أوصل لهم وقود التدفئة؟ وكيف أجمع لهم البطانيات الشتوية؟ والملابس السميكة الصوفية؟ كيف أرسم البسمة على وجه ذلك الطفل؟ وكيف أزرع الفرحة في نفس ذلكم الشيخ؟ كنت أفكر كيف أحول بردهم إلى دفء وسلام؟ هذا ما تبادر إلى مخيلتي .. غير أن أحد اللاجئين قال متحدثاً إلى كاميرا التلفزيون مباشرة : إننا في هذه الأزمة لا نفتقد بيوتنا ولا أراضينا .. لا نفتقد أموالنا ولا أعمالنا، لا نفتقد الطعام ولا الشراب .. كل ما نفتقده هو حضن الأخ الدافئ. كأس الشاي الدافئ الذي كان في يدي، أحسه الآن قد تجمد.
#بلا_حدود