الاثنين - 21 يونيو 2021
الاثنين - 21 يونيو 2021

الزائر الأبيض

عندما تحدثت مع ولدي في ماليزيا عبر السكايب ورأى صورتي، قال لي: «ما شاء الله. ما زلتَ شاباً إلا بعض الشعرات البيضاء في لحيتك ورأسك». هزتني كلماتُه فهرعتُ إلى المرآة، فرأيت ما ذكرني بقول الفرزدق: زوارقُ شيبٍ في السوادِ لوامعٌ ولا خير في ليلٍ بدون نجومِ عندها قررت أن أكتب عن هذه الزوارق أو ما يمكن تسميته بالزائر الأبيض، والذي استقبله شعراء اللغة العربية، أو «صاحبة الجلالة» -كما أُطلِقَ عليها في مؤتمر اللغة العربية في دبي الذي يعقد كل عام برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله- استقبالاً متبايناً. لقد انقسم شعراء العربية حيال الزائر الأبيض إلى أربعة أقسام: قسم استقبله بالمديح، وبرر وجوده، وربما فضَّله على الشباب، واعتبره علامة وقار؛ وقسم اتخذه علامة على دنو الأجل وحافزاً للعمل الصالح؛ وقسم كره الشيب وهجاه وتمنى عودة الشباب، وقسم أرجع الشيب إلى ما حل به من دون أن يمدحه أو يذمه. وهذا التقسيم ليس دقيقاً أو فاصلاً، فقد ينتمي الشاعر الواحد إلى الأقسام الأربعة، وقد يُصنَّفُ في قسمين منهم، أو في واحد فقط، أي إن بينها تداخلاً. 1- من استقبل الشيب بالمديح، وفضله على الشباب، واعتبره علامة وقار أو برره بشيء محمود: من هؤلاء رؤبة بن العجاج الذي مدح الشيب، واعتبر الشباب شيئاً عارضاً كالثوب المعار، حيث يقول: أيها الشامت المعير بالشيب أَقِلَّنَّ بالشبابِ افتخارا قد لبستُ الشبابَ غضاً جديداً فوجدتُ الشبابَ ثوباً معارا ومنهم أبو تمام حين أهلّ بالشيب قائلاً: رأيت الشيبَ لاح فقلتُ أهلاً وودعتُ الغوايةَ والشبابَا وما أحسن قول البحتري حين اعتز بشيبه قائلاً: عيرتني المشيبَ وهى بدته في عذاري بالصدِّ والاجتناب لا تريه عاراً فما هو بالشيب ولكنه جلاء الشباب وبياضُ البازي أصدقُ حسناً إن تأملتِ من سواد الغرابِ وقال أبو عبدالله الأسباطي يمدح الشيب: لا يرعك المشيب يا ابنة عبدالله فالشيب حلية ووقار إنما تحسن الرياض إذا ما ضحكت في خلالها الأنوار ومما قلته في هذا الشأن أخاطب نفسي: قالت وقد راعها شيبي: كَبُرتَ على طورِ الشباب وهذا الشيبُ منك بدا فقلت: هذا أوار الحب مشتعلاً في القلب يظهر أشواقي وما كمدا ويقال إن بيت الفرزدق السابق هو أبلغ بيتٍ في وصف الشيب ومدحه، وعلى الرغم من ذلك فله - أي الفرزدق- أبياتٌ يرى فيها الشيبَ علامةً على دنو الأجل.
#بلا_حدود