الجمعة - 09 ديسمبر 2022
الجمعة - 09 ديسمبر 2022

عوامل النهوض الحضاري وأسس التقدم

يرى الفيلسوف والمؤرخ توينبي أن مبدأ التحدي والاستجابة هو المبدأ الأساسي لخلق الحضارة وتحقيق التقدم، ففي كل لحظة من حياة كل فرد فينا، وفي كل لحظة من حياة أي دولة، يتحدانا على الدوام موقف جديد، موقف علينا أن نواجهه، فإما أن ننجح أو نفشل. وقد نفشل في أي لحظة ونبدأ في الانحدار، وقد ننجح ونستمر في العيش. فالظروف الصعبة هي التي تستثير الأمم على إقامة الحضارات، والإنسان هو الذي يلعب الدور الأساسي في التغيير وليست طبيعة التحدي نفسها، الإنسان هو الذي يعين مسار الانتقال والتغيير حسب الحالة التي يكون عليها، وهي حالة لا يصنعها التحدي ولكنه قد يستثيرها. غير أن الاستثارة وحدها ليست كافية لعملية التغيير، فالتحدي وحده غير جدير بتمكين الإنسان من الانتقال من مرحلة حضارية إلى مرحلة حضارية أخرى، إذ لا بد للإنسان حتى يحقق إنجازاً ما، أن يحوز الكفاية اللازمة للقيام بذلك وإلا ظل حبيس الوهم والتخيل. واستمرار التحدي وتكراره في حضارة من الحضارات إما أن ينتهي باستجابة على التحدي وتصعد الحضارة في طريق التقدم، وإما أن تخفق هذه الحضارة في الرد على ذلك التحدي، وفي خلق استجابة إزاء تلك التحديات، وهذه السلسلة المتكررة من الاستجابة المخفقة إزاء هذه التحديات هي في الحقيقة المصدر الأساسي لتدهور الحضارات. ويعني التحدي وجود ظروف صعبة تواجه الإنسان في بناء حضارته. والحضارة تنتهي بالانتحار لا بالقتل، بمعنى أن السقوط والانهيار سببه داخلي وليس ناتجاً عن غزو خارجي. فالخلافات والصراعات بين أبناء الشعب الواحد أو الأمة الواحدة هما الانتحار بعينه، حيث تستنزف ثروات الشعب وتتبدد قواه ويصل إلى حالة من الضعف والهوان، فينهار من الداخل قبل أن تأتيه ضربة خفيفة من الخارج فتقضى عليه. وهذا ما يفعله الغرب الآن مع الدول العربية والإسلامية، حيث يزرع بذور الخلاف والشقاق بين أبناء الشعب الواحد وينشر الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومع كل هذا يرفع شعار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. فلا نجاة ولا نجاح للأمة العربية إلا بالوحدة وتأسيس مشروع عولمي عربي لمواجهة العولمة الغربية. ولا بد أن يدرك الجميع هذه الحقيقة، قال تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» (سورة الرعد: 11)، والتغيير ينقسم إلى قسمين: تغيير داخلي وهو تغيير منوط بتغيير الأخلاق والعقليات، وتغيير خارجي ينصب على تغيير المراسم والأشكال والنظم الخارجية اجتماعية كانت أو سياسية أو اقتصادية. * رئيس قسم الفلسفة، كلية الآداب، جامعة طنطا، مصر