الخميس - 01 ديسمبر 2022
الخميس - 01 ديسمبر 2022

فـن الإصغـاء

الحوار فن والفـن ذوق وكثير من الناس للأسف يفتقدون هذا الذوق والإحساس، لا يعرفون ماهية هذا الفن الطيب، لا يحترمون محدثيهم فلا ينصتون أو حتى يسمعون، فمن آداب الحوار في الإسلام وأخلاقياته العليا (الإصغاء)، فأكثر ما يزعجنا أن نتحدث إلى أحدهم ولا يعيرنا انتباهه ولا يبدي أي اهتمام بما يقال، وكأننا نخاطب ميتاً لا يسمع، كأننا نكلم أنفسنا، أو أن من أمامنا أصـابه الصمم، مما يؤدي إلى الضيق والضجر من هؤلاء الأشخاص الذين لا يبالون بما يقال لهم فلا يفهمون ولغيرهم يتجاهلون، وهؤلاء وبدون خجل يحتاجون إلى دروس ودورات فيما يسمى فن الإصغاء. والإصغاء جوهر المحادثة وسبيل الوصول إلى أهداف الحوار ومبتغاه، وللإصغاء أسس وآداب منها أن تنظر إلى من يكلمك وترسل إليه إشارات بصرية أو تعبيرية من حين لآخر بأنك معه على خط الحوار ولست منشغلاً عنه، ولا تتحرك وكأنك تريد الانصراف وهو مازال يتكلم ولم ينته بعد مما يقول، وألا تعطيه ظهرك مثلاً أو تقرأ شيئاً .. وكذلك عدم مقاطعته إلى أن ينتهي، فإذا انتهى لا مانع من سؤاله هل انتهيت من كلامك؟ فإذا انتهى فلتبدأ أنت بقول ما تريد. ابتعادك عن هذا الأخلاقيات يدل على عدم احترام من يحاورك، ولكم من فكرة ماتت في مهدها! وكم من اقتراح تم وأده! بسبب عدم الإصغاء الجيد وعدم الإنصات بالقدر الكافي. وللتعود على الإصغاء لابد أن نعلم أنفسنا هذا الأمر ونعلمه لأطفالنا منذ بواكير الطفولة لأن من شب على شيء شاب عليه، ونحترم كل من يحاورنا أو يريد أن يتكلم معنا ونبتعد عن كل ملهيات الحوار مع النظر المباشر لمحدثينا مع إيماءات بسيطة تحث من يحدثنا على استكمال حديثه، وأن نعلق على كلامه بأسلوب مهذب حتى لو اختلفنا معه، فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. ولنجعل هذا مع الجميع، كباراً وصغاراً ، فلا نختص به فئة عن أخرى من الناس لاعتبارات معينة يعلمها الجميع، من الطفل الصغير الذي يعطينا كلمة تلو كلمة بصعوبة، حتى لا نفقده ثقته بنفسه فلنستمع له ونبدي له رد فعل إيجابياً بأننا فهمناه حتى ولو بابتسامة على الشفاه، وكذلك المعلم يصغي لطالبه حتى ولو كان على خطأ ويمنحه الفرصة للتعبير عما يدور في نفسه أو فكره فلا يحجر على رأيه إن جانبه الصواب، فالكل مهما كان موقعه فلابد أن يصغي لكلام غيره علا شـأنه أو صغـر. ولنا في خير البشر من له انشق القمر نعم الدلائل والعبـر، فلقد كان حريصاً كل الحرص على الاستماع لزوجاته ولصحابته الكرام ولكل من يبادله الحديث، ويحاور الصغار وينصت لهم فلم يجرح أو يحرج أحداً ولو بكلمة. فلابد لنا أن نعـود أنفسنا وندربها دوماً على هذا الأمر لأن الإصغاء يقود إلى احترام الآخرين وكسب مودتهم ولقد قالوا (أن تكون محدثاً بارعاً فهذا أمر حسن والأحسن أن تكون مجيداً لفن الإصغاء)، ففن الإصغاء هو درة السلوك الإنساني وأحد أعمدة الود الاجتماعي وأقصر طريق لكسب الناس بكل ذوق وإحساس، وإن من يجيد هذا الفن يخسر الكثير من الأعداء ويربح الكثير من الأصدقاء. فعندما يستهل أحدهم الحوار معنا يكون لسان حالنا (كلي آذان مصغية).