الأربعاء - 30 نوفمبر 2022
الأربعاء - 30 نوفمبر 2022

أُمّة مخدوعة

من يتأمل في واقعنا المعاش عربياً وإسلامياً يجد أننا أمام أمة مخدوعة من قبل من يدّعون حقوق الإنسان في الغرب، ويُشيعون في العالم من حولنا أنهم حملة التنوير ورعاة التقدمية، فإذا بهم عند أول اختبار عملي – وما أكثر الاختبارات العملية التي تثبت فصلهم بين النظرية والتطبيق – ينكثون على تنويريتهم وتقدمهم المزعومين، وهي تنويرية مادية ليس أكثر، وليست تقدمية مبادئ وتنويرية أخلاق، فيتحركون حسب ما تمليه عليهم مصالحهم المادية. بيد أننا نتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، وذلك بشيوع روح التواكل فينا، والاعتماد على كل ما هو أجنبي، وعدم استثمار إمكاناتنا على المستويين المادي والبشري، فضلاً عما نقوم به من فصل واضح بين الدين والحياة، إذ ما أكثر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحض على العلم والعمل والأخذ بأسبابهما، وعدم الركون إلى الآخر. والمظاهر الدالة على أننا أمة مخدوعة كثيرة ومتعددة. فمن منا ينكر الاستعانة الدائمة بالعقول المستوردة في كل مجالات الحياة، أليست هذه العقول المستوردة في وطن يشكو من كثرة الموارد البشرية فيه تعد اغتصاباً لخيرات هذه الأمة، وقدحاً في العقول العربية وتدميراً لها. مع الوضع في الاعتبار أنه إذا كان الأمر يتعلق بالتخصصات النادرة التي لا يوجد من يقوم بها من بني جلدتنا خير قيام، فلا غضاضة في ذلك ولا مشاحة، فالأمر حينها سيكون من باب الضرورة القصوى، خصوصاً أننا نحاول أن نواكب العصر بتكنولوجيته وتطوره العلمي والمعرفي، أما إذا كان الأمر غير ذلك فهو إزهاق لأرواح جيل كامل من المبدعين العرب. إننا يجب أن ننظم قضية الاستعانة بالعقول الأجنبية، وأرى أن نستعين بها في الحالات الآتية لا أكثر: أ – في حالة التخصصات النادرة التي لا نجد من يقوم بها في بلادنا. ب – في حالة نقل التجارب الغربية للاستفادة منها ونقلها للعقول العربية. ج – في حالة ما إذا كان مطلوباً القيام بعمل ما على وجه السرعة، ولن يتم ذلك من دون الاستعانة بالعقول الغربية. وفي غير هذه الحالات الثلاثة أرى أنه لا يصح لنا الاستعانة بهذه العقول، وإلا عد ذلك من قبيل التبذير والإسراف الذي نهى الله تعالى عنه، وحذر منه في قوله تعالى: «ولا تبذر تبذيراً». إلا أنني لا أرى عالمنا العربي إلا مستعيناً بتلك العقول من دون رابط أو تنظيم، حتى إن الأمر تعدى كونه من مجرد الاستعانة بالعقول، إلى الاستعانة بالمربيات وعمال النظافة وذوي الحرف البسيطة التي يمكن أن يقوم بها ضعيفو المواهب وقليلو المهارة. فأينما تولي وجهك شطر عمل ما أو وظيفة ما في أي قطاع من القطاعات تجد فيه ذوي العقول الغربية وغير ذوي العقول ممن يرسفون في نعيمنا، وهناك منا نحن العرب من هو أفضل منه عقلاً وعلماً وربما أدباً، وهنا يتبادر سؤال في الذهن مؤداه: هل هناك من سبيل للخلاص من هذه الظاهرة السلبية التي تنذر بعواقب وخيمة على المدى القريب والمدى البعيد؟