الاحد - 27 نوفمبر 2022
الاحد - 27 نوفمبر 2022

الشلل الفكري

إن كل بحور العلم التي ركب العلماء أمواجها كانت نتاج أفكار بدائية تَشارَك فيها شخصان أو أشخاص عدة، أو أنها نتاج رحلة أكملها فريق من الباحثين جيلاً تِلْو جيل، وجاء العلم إثر معرفة مادية مستمرة وبحث في شتى المكونات الموجودة على كوكب الأرض، ثم تطور العلم عبر خلط المواد كيميائياً ودراسة مكوناتها وطاقاتها الكامنة فيها، ثم بدأت ثورة صناعية من تلك المواد الأولية التي تم اكتشافها مسبقاً. تطور البشر من خلال معطيات فكرية بسيطة، وعبر القيام بعملية عصف ذهني بسيطة حصلوا على أفكار كثيرة، وما كان بسيطاً في بدايته تطور عبر أفكار أكثر دقة ثم جاءت الأفكار التخصصية لكي تعطي جودة لمنتج أنتجته أفكار بسيطة. إن التفكير والتعبير عنه برأي أو بكتاب هو نهج انتهجته الأمم التي واكبت تطوراً في كل المجالات، والمنتج الفكري الذي يتشارك في تكوينه وتشكيله غالبية البشر هو ما يعطي نوعية فكرية مميزة وفعالة، هذا النهج هو ما جعل العالم يقدم الأبحاث المعرفية البسيطة التي تلتها أبحاث علمية ابتدائية ثم جاءت الأبحاث العلمية المتقدمة لكي تبلور فكرة أنتجها عقل بسيط. الكثيرون يخافون إنتاج الأفكار وتدوينها أو السعي لإثبات جدواها، وهذا الخوف جمّد العقول وقيّد قدرتها على تصدير الأفكار وتحريرها من صندوق الابتكار أو مركز الابتكار في العقل، حملة شهادات عليا نراهم في عالمنا الإسلامي والعربي لا ينتجون شيئاً،فما الذي يمنع هؤلاء من القيام بتلك العملية التي توارثها البشر جيلاً بعد جيل؟ لا يزال بعضنا في كينونته الداخلية عاجزاً عن المغامرة أو الخوض في مجال جديد، وعن الدخول في حيز المبتكرين، وهذا الأمر تطور لدى الكثير من العرب والمسلمين، فبعد أن كانت أمة الإسلام هي التي تبتكر، أصبحت لا تفكر ولا تنتج أي إنتاج علمي وفكري يذكر، هذا الجمود الفكري وهذا الشلل الذي أصاب المركز الذي يختص بالتطوير في العقل جعل من العسير على البعض أن يفكر في ابتكار شيء معين، بل إن البعض يظن أن العصف الذهني ابتكار غربي والغرب هم الخبراء فيه، لذلك لابد من وجودهم لكي تكون في الأمر جودة تُذكر. من عهد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون يطورون العصف الذهني، ويصلون لنتائج عملاقة في مختلف المجالات، وهذه الظاهرة كان لها مجالس عند العرب تسمى بمسميات عدة، ولعل أقرب الأمثلة إلى ما نحن عليه من ترجمة حقيقة لهذه المسألة، أي العصف الذهني هو قيام دولة الإمارات العربية المتحدة على مبدأ التشاور، والعصف الذهني من قِبَل حكام الإمارات وعلى رأسهم المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، هذا الإنسان المبدع الذي انتهج نهج المشورة ونهج العصف الذهني في بناء هذه الدولة الرائعة كان له ولإخوانه من حكام الإمارات البصمة الواضحة من خلال أفكارهم في صناعة الدولة. إن الخوف عدو الإنسان الأول، وهو سبب تخلف الكثير من البشر عن ركب الحضارة، ولعل الرؤية السديدة لحكومة دولتنا الحبيبة في انتهاج نهج السابقين في أسلوب الإدارة والتطوير عبر حصد الأفكار من الأذهان، وذلك بتحفيز المشاركة الجماهيرية في مختلف المسائل عبر المجالس البرلمانية والمجالس الحكومية وعبر الاقتراحات التي توجد صناديقها في كل قطاع، هو الأساس الذي أوصلنا لما نحن عليه من تطور. ويُذكر أن التحفيز في كل فترة يزداد قوة، وهذا ما نراه واضحاً عبر إضافة كرسي الابتكار أو وظيفة الابتكار لكل وزارة وهيئة ومؤسسة حكومية، والذي كان قراراً من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي في القمة الحكومية الأخيرة. إن الابتكار يحتاج لحصد الأفكار، وثقة الحكومة الرشيدة بعقول أبنائها وشعبها المحب هي ما جعل المستحيل سهلاً، فالعصف الذهني مسألة يمكن أن تشرك فيها حتى الأطفال فهم الذين يملكون الفراغ العقلي غير المضغوط بالأفكار النفسية، والذي يمكنهم من إنتاج فكر جميل يحمل فطرة رائعة في مجال من المجالات، لا يمكننا القول إن العصف الذهني حق لفئة دون فئة، وكثيرة هي الاستفتاءات التي جاءت بنتائج إيجابية عبر أخذ آراء البسطاء من الناس في مسائل التطوير في قطاع ما، البسطاء صنعوا دولاً فما الذي يمنعهم من إمكانية تطوير تلك الدول؟ الحقيقة أن العقول البشرية عبارة عن سلسلة متواصلة، فيها الحلقة تكمل الحلقة لكي تتكون السلسلة وتعطي المرجو منها، تربينا على أيدي أمهات ربما أفضلهن لا تعرف كيف تقرأ الكلمات البسيطة أو الحروف لكنهن عبر التواصل الاجتماعي والزيارات كنّ صاحبات بصيرة في تربية أبنائهن وحل مشاكلهم عبر تداول تلك المشاكل في مجالسهن وأخذ الأفكار لكل مسألة تطرح. والنبي صلى الله عليه وسلم انتهج أسلوباً يشبه العصف الذهني حتى مع أمهات المؤمنين وأخذ رأيهن في كثير من الأمور، وهذا الدرس وجب علينا تعلمه، ومن يريد أن يخوض بحراً جديداً من العلم فلابد له من معرفة ما يريد أولاً، ثم عليه أن يفكك رموز العقول الجامدة ويجعلها تفرز الأفكار، ثم ينتقي من تلك الأفكار أفضلها وأكثرها تكراراً، فالعقول لا تجتمع على باطل أبداً، يجب علينا أن نكتشف ذواتنا وأن نعرف أن ما يمنعنا من الابتكار هو القفل النفسي الذي نضعه على صندوق الابتكار في عقولنا. يجب علينا أن نزيد الإنتاج المعرفي وأن ننتج كتباً كثيرة. الغرب تطور بفضل كل العقول التي أسهمت بكلمة، أو بجملة، أو بكتاب، أو ببحث علمي ابتدائي، أو ببحث علمي متقدم. وقوعك في الخطأ مرة أو مرتين ربما لا يفيدك، لكنه يفيد بشكل عميق مَن يأتي بعدك ويكمل ما بدأته أنت، فهل أنت عاجز تماماً عن إنتاج أي شيء؟ هل أنت حقاً تعاني من الشلل العقلي؟