السبت - 31 يوليو 2021
السبت - 31 يوليو 2021

حب المعرفة وصناعة المستقبل

قد يفاجأ العقل بالسر وراء أول أمر قرآني نزل على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يأمره بالقراءة لأجل التماس سبل المعرفة فقال (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، في إشارة واضحة إلى أهمية القراءة كإحدى سبل المعرفة، وأهمية تحصيل المعارف والعلوم لأجل استقامة حياة الإنسان. ثم يزيد القرآن الصورة وضوحاً في قوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) فأكد على العلم أولاً، بأنه سبحانه علم القرآن، ثم زاد الصورة إشراقاً بتعليمه البيان للإنسان عبر اللغة والفهم والتفكير، وعبر آليات فلسفية تربط بين التفكير والتعبير. ثم يحث القرآن على طلب العلوم والمعارف عبر بيان قدر العلم وأهله، ذاك القدر الذي لا يبلغه أحد بماله ولا بسلطته ولا بقوته، ليطالعنا القرآن باستفهامه (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، ثم قوله سبحانه (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ثم تدليله سبحانه على أن أكثر الناس خشية لله هم العلماء لأنهم أعلم الناس بالله فقال سبحانه (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء). ويربط القرآن الكريم بين فلسفة المعرفة والفهم الصحيح لهذا الدين في العديد من الآيات مثل قوله سبحانه (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الأَلْبَابِ) ثم يضرب لذاك الأمثال في مواطن متعددة مثل قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً)، أي مثل الذين أعرضوا عن معرفة دينهم وفهمه كمثل الأنعام الذين هم أضل سبيلاً. والقرآن مملوء بتلك الصور التي تحث على الثورة المعرفية والتماس أبواب العلم والمعرفة، والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يسير على خطى القرآن الكريم، فيطالعنا بقوله «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد»، ثم يبرهن على عظمة مكانة طالب العلم فيقول: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم حتى يرجع». تلك هي نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية تسير في اتجاه واحد، اتجاه الحث على العلم والمعرفة لأجل استقبال الحياة الكريمة واستشراف سبل المستقبل. ومما لا مماراة فيه أن الثورة المعرفية هي التي صنعت ماضي الدول التي تقدمت، وهي التي ستصنع المستقبل لكل من يسعى نحو التقدم أو يلتمس طريقاً نحو العلى، فالطريق الأول، والسند الأول، والدافع الأول، لا بد من أن يبدأ من العلم والمعرفة، إذ إن أي نهضة لن تقوم بغير الارتكاز عليهما، وبغير الاستناد إلى دعائمهما، ولكم في التاريخ عبرة، اليابان التي كانت طي النسيان، ومساحتها ضئيلة إلى جوار مساحات دول أكثر فقراً وتخلفاً في العالم الثالث، وعدد سكانها تجاوز 170 مليون نسمة، ولا تملك أي موارد طبيعية في أرضها، بل العكس هو الصحيح، إذ الطبيعة ساخطة عليها، فطالما أصابتها نوبات لا ترحم من الزلازل والبراكين، وعلى الرغم من ذلك كله، رغم كثرة عدد السكان وسخط الطبيعة وجغرافية الأرض وقلة المساحة، إلا أنها استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة بين الأقوياء، وأن تنهض نهضة لا يصدقها عقل يعلم المقدمات التي آلت عنها تلك النتائج، فقد صنعت نهضة بلا أدنى إمكانية سوى الثروة البشرية، فأفلحت في وقت قصير في صناعة العقول البشرية التي أبهرت العالم بصنع يديها وبعظمة ابتكاراتها، ذلك أنهم أخذوا بدروب المعرفة، والتمسوا سبل العلم، فغادروا القاع وبلغوا القمة. وما يقال عن اليابان يقال عن النمور الآسيوية، ويقال عن البرازيل التي كانت بالأمس القريب طي النسيان، ثم أصبحت عملاقاً اقتصادياً منذ زمن ليس بالبعيد، بل إن جزيرة ضئيلة المساحة لا يؤبه لها مثل تايوان، استطاعت أن تضع نفسها على طريق التعملق الاقتصادي عبر التماسها سبل المعرفة وأخذها بالحظ الوافر من العلم. والعلم هو الذي سيحدد مصير المستقبل، وهو الذي سيرسم معالم القوة والسيطرة، في نذر غيب هذا العالم، لأن القيادة في المستقبل لن تكون للأكثر عدداً، وإنما ستكون للأقوى علمياً، وذلك لما يرتبط بالعلم والمعرفة من اقتصاد وصناعة وتجارة الدول، لأن العلم هو مفتاح التقدم في كل هذه القطاعات، فالواجب على الدول التي تريد صناعة المستقبل أن تلتمس دروب المعرفة عبر البحث العلمي والإنفاق عليه فهو الأكثر ربحاً والأعلى عائداً إذا ما أحسنا الفهم، لأن العلماء هم من سيصنعون الفارق في غد ليس بالبعيد، أما سياسة الإقصاء للعلماء وتهجيرهم في بعض دول العالم الثالث فهي سياسة ستضمن القوة والسيطرة للغرب المتعجرف، وستضمن استمرار تخلف المتخلفين وتأخر المتأخرين، لأن الله لا يحابي الجهل، ولا يرفع الجهلاء. إن المستقبل كله بين يدي المعرفة والتماس دروبها المختلفة، فعلى شباب عالمنا العربي التماس المعرفة بكل السبل، والسير نحو العلم بكل ما أوتوا من قوة، حتى تختلط المعارف بقلوبهم، وتمتزج بشغاف فؤادهم، فحب العلم والمعرفة يوصلان إلى قمة المجد العلمي، ذاك ما نحلُم به لأوطاننا، وما نسعى إليه في مستقبل أيامنا، فهل يعي أبناؤنا ذاك المستقبل الذي ينتظرهم، وهل يدركون الغاية من هذا الوجود الذي بدأت أسمى رسالة فيه بالأمر بالقراءة؟ وهل يصنعون مستقبلاً يقوم على العلم ومكتسبات الحضارة العريقة .. كلي أمل في تحقيق ما تصبو إليه نفوسنا، وكلي يقين في إحاطة شبابنا بالوسائل والغايات، وبذات اليقين وبنفس الأمل فسوف نبني مستقبلاً تحكى عنه الدنيا بأسرها به، ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريباً.
#بلا_حدود