الثلاثاء - 27 يوليو 2021
الثلاثاء - 27 يوليو 2021

الابتكار في الحضارة الإسلامية .. ابن سينا نموذجاً

لم يَكَدْ يَمضي قرن على وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا واعتبر المسلمون أن من واجبهم تَمَلُّك خاصيَّة العلوم المعروفة آنذاك. فأَسسوا معاهد للدراسات المتقدمة، أُطلِق عليها بيوت الحكمة. وظلت لهم سطوةٌ مطلَقة في مجال العلوم طوال الثلاثمئة والخمسين عاماً التالية، وتمثَّلَتْ إِحدى المظاهر الأَساسية لتبجيل العلوم في الإسلام، في الرعاية التي حظيتْ بها في الدولة الإسلامية. ويمكننا أَن نورد ما كتبه (ه.أ.ر. جيب) في نطاق الأدب: «إِن ازدهار العلوم في ظل الإسلام يتوقف على ليبرالية ومناصرة أصحاب المراكز العليا بدرجةٍ تفُوقُ ما حدث في أَي مكان آخر، فطالما وُجِدَ في عاصمة أو أُخرى أُمراءُ أو وزراءُ تبْعَثُ رعايةُ العلم السرورَ في نفوسهم، أو يجدون بهجة أو نفعاً أو شهرة في ذلك، فإن شعلتَها تظل مُتَّقِدة». ولن تقوم أية حضارة لأمة من الأمم إلا إذا اقتبست من سابقتها، وانتقت من خلاصتها وعصارتها، إلى أن تنفرد بعناصر جديدة تجعلها تتميّز بطابعها وإبداعها. يُعزِّز هذا ما صرح به (مالك بن نبي) حين وصف الحضارة بأنها: (تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلى أفق شعب آخر). ولقد فطن ابن خلدون – أيضاً – لهذه الحقيقة إذ قال: «وأهل الدولة أبداً مقلدون في تطور الحضارة وأحوالها للدولة السابقة قبلهم، فأحوالهم يشاهِدون، ومنهم في الغالب يأخذون، ومثل هذا وقع للعرب كما كان الفتح، وملكوا فارس والروم، واستخدموا بناتهم وأبناءهم». وإن ما تتمتع به الحضارة العربية الإسلامية من المثل العليا والقيم الجُلَّى، لجدير بأن يجعلها تحتلُّ الصدارة في شتّى العصور والأزمان، وتولّد الطاقات المادية والروحية في جذور الإنسانية، لتنطلق نحو التقدّم والرقيّ والفلاح، ولتلمس المصير المعلوم الذي يستشرفه المسلم من روح وجوهر الدين الإسلامي. إن غوستاف لوبون يقولها بصراحة: «لقد كان تأثير العرب في الغرب عظيم الغاية، فأوروبا مدينة للعرب بحضارتها. ونحن لا نستطيع أن ندرك تأثير العرب في الغرب، إلا إذا تصورنا حالة أوروبا عندما أدخل العرب الحضارة إليها». ويعلنها لكلير بكلمات واضحة: «... نستطيع أن ندرك أية ثورة فكرية بعثَتْها في الغرب حركةُ الترجمة من العربية إلى اللاتينية، وأية فائدة جناها العلماء اللاتين منها، فكانت هذه الترجمة أداة جوهرية للتقدم، وانتشاراً للعلم العربي المنتعش بجانب الغرب». ولا زلنا نذكر كلمة مسيو ايبري: «لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ لتأخرت نهضة أوروبا في الآداب عدة قرون». ومن دون شك، فإن العصر الذهبي للعلم في الإسلام كان حواليْ القرن الحادي عشر الميلادي، المواكب للقرنين الرابع والخامس الهجري، أيْ في عصر ابن سينا، آخِر علماء القرون الوسطى، ومعاصريْه: ابن الهيثم والبيروني. وإليكم بعض الأمثلة على ابتكارات (ابن سينا) أَحَدِ علماء الحضارة الإسلامية: 1- أشاد كارل بوير في كتابه تاريخ الرياضيات بابن سينا قائلاً: «إن الحضارة الإسلامية أنتجت عمالقة في العلوم كلها، ولكن ابن سينا يُعَدُّ حالة خاصة، فهو العالم الذي اكتسب علوم اليونان، واستوعبها، وشرع بعد ذلك في الابتكارات العلمية الجليلة... وعُرِفَ ابن سينا باسم الشيخ الرئيس، والمعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي». 2- ويقول فيلدنج هـ. قايسون في كتابه المقدمة في تاريخ الطب: «يُكْنَى ابن سينا بأمير الأطباء بالمعمورة، وكان رئيسَ المستشفى الشهير في بغداد، كما صَنَّفَ أكثر من مئتيْ مصنف في الفروع المختلفة، ومع شديد الأسف فإن معظم إنتاجه العلمي هلك، ولم يبق منه إلا الشذرات القليلة. لقد اشتهر ابن سينا في علم علوم الأرض، فكان يُدْعَى بأبي الجيولوجيا». 3- ويقول هولميارد في كتابه صانعو الكيمياء: «إن علماء أوروبا يصفون ابن سينا بأنه أرسطوطاليس العرب، ولا ريب في أنه عالم فاق غيره في علم الطب وعلم طبقات الأرض، وكان من عادته إذا استعصت عليه مسألة علمية أن يذهب إلى المسجد لأداء الصلاة، ثم يعود إلى المسألة بعد الصلاة بادئاً من جديد، فيوفَّق في حلِّها». 4- ظهرت الطبعة الأولى لكتاب: القانون في الطب لابن سينا (428 هـ)، في البندقية بإيطاليا سنة 1484 م، وسنة 1593 م، ويعتبر كتابه هذا، دائرة معارف طبية، فقد كتب فيه عن العدوى من السل الرئوي، وخطر الإشاعات الشمسية على المصابين به، كما أورد فيه أول وصف لداء الغيلاريا (مرض الفيل) وانتشاره في الجسم، وأوّلَ وصف للجمرة الخبيثة التي أطلق عليها «النار الفارسية». وكتاب القانون مرجع يعول عليه في تدريس الطب بجامعات أوروبا منذ نهاية القرن السادس عشر، وظهر له أكثر من (15) طبعة لاتينية. 5- اعتمد الغرب على تحليل ابن سينا، حين تحدث عن السحب والثلج والضباب والنيازك والبرق والرعد، وحين فسر الهالة الشمسية، والهالة القمرية. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكننا أن نعيد صفحات التاريخ، ونقود مجال الابتكار في العلوم من جديد؟ وأَودُّ أن أُؤَكد بتواضع أننا نستطيع ذلك، بشرط أن يجتمع المجتمع بأَسره، والشباب بوجه خاص على هذا الهدف الاستراتيجي، مع الحفاظ على تعاليم الإسلام الوسطية المعتدلة. وينبغي أن نتذكر أنه لا يوجد طريق قصير للوصول إلى تلك الابتكارات. وفي ظل الظروف الراهنة لا بد من شحذ الفكر الابتكاري في المدارس والجامعات والمعاهد... وهذا ما أَكده سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة ضمن فعاليات القمة الحكومية الثالثة، للعام 2015، خلال جلسته الرئيسة التي حضرها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي والتي عقدت تحت عنوان «الابتكار في التعليم» حيث قال سموه: «إن الابتكارات الموجودة صنعتها عقول مبدعة.. ووظيفتنا في الحكومة أن نعمل على صناعة هذه العقول، وصناعة البيئة المحفزة لهذه العقول، لذلك أنا دائماً أكرر لجميع الإخوة بأن الابتكار يبدأ من المدارس.. ولا بد أن نصنع طلاباً يحبون البحث والتحليل والابتكار..». مستدلّاً سموه بمقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: «لا بد أن يبتكر الإنسان مستقبله، ويبتكر وظيفته، وهذا ما نطمح إليه من خلال تطوير مهارات الابتكار في أجيال الإمارات». أَجل، لقد أضحى الابتكار محركاً أساسياً في اقتصاديات الدول، والاهتمام بالمبتكرين أَصبح على سلم أولويات الدول، حيث يسهم المبتكرون في إيجاد حلول وطرق وخدمات مبتكرة تسهم في حل الكثير من القضايا المجتمعية والاقتصادية والأُسرية، أو تسهيل خدمات وإجراءات طويلة ومعقدة... وتختلف منظومات دعم الابتكار من دولة لأُخرى، وحجم رأس المال المغامر أَو الجريء الذي يصرف لدعم المبتكرين.
#بلا_حدود