الاثنين - 02 أغسطس 2021
الاثنين - 02 أغسطس 2021

العلماء والباحثون أكثر الناس صدقاً

يعرف علماء النفس اللغة بأنها مجموعة إشارات تصلح للتعبير عن حالات الشعور، أي عن حالات الإنسان الفكرية والعاطفية، ومفهوم ذلك أننا وسعنا مفهوم اللغة لتدل على جميع اللغات، وما لغة الكلام إلا واحدة من تلك اللغات، غير أن اللغة قد تكون مانعاً من الاتصال الحقيقي بين الكائنات. هناك مثلاً الدور الذي يلعبه الكذب في منع الاتصال بين الناس، ثم إن الكلمة أحياناً تفقد معناها ولا تعود تحمل المعنى الحقيقي لها. لقد أثبتت الدراسات النفسية أن أكثر الناس يكذبون حرصاً على مصالحهم ولا يجدون في هذا الكذب (الكذب الأبيض) خطأ أخلاقياً، وتلعب الحالة النفسية دوراً كبيراً في الميل إلى الكذب، فقد اكتشف الأطباء النفسانيون أن مرضى الكذب يعانون من العصبية والتوتر والضيق النفسي، وأنهم يستعملونه وسيلة لإخفاء ما يمرون به من متاعب نفسية.. ولكن هناك أناس مصابون بهذا المرض وهم فئة قليلة، إنهم يستبعدون الصدق من حياتهم فيصبحون بعيدين عن كل لفظ يلفظونه، والكذب في حالتهم تلك يعتبر مرضاً نفسياً ترجع أسبابه إلى اضطرابات عميقة ولا يعالج إلا عن طريق العيادات النفسية، ويتطلب فترة طويلة جداً من العلاج المستمر. إن الميل إلى الكذب يختلف بين شخص وآخر، ولكن في مواقف الحياة العادية اليومية فإنه يأخذ الاتجاه نفسه تقريباً، والشخص العادي يضطر إلى الكذب حوالي ثلاث مرات يومياً، وحوالي ألف مرة في السنة، ومن بين المرضى موظف كان يكره عمله ولكنه لا يعترف بذلك، ولا حتى مع نفسه، لهذا فهو يتكلم طوال الوقت عن العمل العظيم الذي يؤديه وعن أهمية هذا العمل الخطير، علماً أنه لا يحمل معه قلماً يكتب به، ويذهب إلى دائرته بملابس غير مكوية وحذاء ممسوح من الأسفل يدل على إهماله وعدم مبالاته، وكثيراً ما يذهب إلى الدوام متأخراً، فيكذب على موظف الاستعلامات ويدعي أنه مصاب بمرض السكري وارتفاع الضغط، وعند وصوله إلى دائرته يذهب إلى مسؤوله المباشر ويكيل له المديح والثناء حتى لا يحاسبه على التأخير ومسؤوله لا يبالي لأنهما مصابان بالمرض نفسه. يقال إن أقل الناس كذباً وأكثرهم صدقاً هم العلماء أولاً، يليهم الباحثون الذين يعملون في المعامل، ثم المهندسون وهم لعلهم من الناس الذين تعتمد أعمالهم على المقاسات الدقيقة التي لا يمكن تجاهل المليمتر الواحد فيها. تحدثت يوماً إلى أحد المديرين، وكان قد ارتفع من طفولة فقيرة إلى النجاح في الوصول إلى منصبه الحالي. وعزا نجاحه إلى فلسفة أخذها من أيام طفولته وقال «لقد علموني أن العالم غابة، أن الواحد يأكل الآخر. وعليك أن تتغلب على الشخص الآخر أولاً وإلا تغلب عليك. كان للرجل جو عدواني فظ، قد يفسره البعض على أنه ثقة بالنفس تماماً، وهكذا على الرغم من المظهر الخارجي للثقة بالنفس الذي يبدو على هذا الرجل فإن عدم اطمئنانه الداخلي قد استنفد المتعة في حياته. إن قانون الغابة الذي يؤمن به هذا الرجل يتطلب يقظة وحرصاً دائمين، فليس له حياة أو هوايات أخرى، إنه يجعلك تخاف أن تعمل بطريقة خلاقة، تخاف من التغيير، تخاف من المستقبل. إنه يجعل كل صديق يبدو عدواً لك يهددك بالخطر، ويجعلك تشك في أن لكل شفقة دافعاً خطيراً، وكل ضربة حظ نذير كارثة محتملة، وكلما تقدم بنا العمر برزت مسائل وأزمات جديدة لتزيد المطالب علينا، وتبدو الثقة التي اكتسبناها في السنوات السابقة غير كافية لسد مطالبنا أو أنها لم تؤهلنا جيداً للمهام التي نواجهها الآن. شاكر الساعدي
#بلا_حدود