السبت - 31 يوليو 2021
السبت - 31 يوليو 2021

غاب الحب .. فاحتفوا بعيده

أصبح للحب عيد .. وصار الناس يحتفلون به .. يجهزون له قبل أيام وأيام، وينتظرونه بفارغ الصبر، يعرفون وقته، ويحددون تاريخه. يقول لي صديق لي يعمل في محل للمجوهرات إن موسم عيد الحب من أهم مواسم البيع، إذ ترفع حالة الطوارئ في هذا اليوم المحمر، ليرخص له كل غال وثمين. في هذا اليوم المحمر، لا يمكن تقليل التوهج إلا عن طريق هدية تبرد القلوب الحارة، ويتفانى كل من المحبين في إظهار احمراره وحمرته أكثر من الآخر، ومن يحمر أكثر، يكن هو الغارق في الحب إلى النقطة الأعمق، أو هو المحبوب الأكثر حباً. بنظرة غير متأنية للشارع حولنا، وجدت طغيان اللون الأحمر في عيد الحب، فباقة تزاحمني في المصعد، وربطة عنق حمراء تؤلم عيني من توهج لونها، ودمية حمراء متعلقة بيد شاب هائم مسرع لا يرى طريقه، وعلبة حمراء صغيرة تتوسد كفين مرتجفين تبعث برسائل عصبية إلى الدماغ تؤدي إلى الانفصال التام عن المحيط. وسائل التواصل الاجتماعي غيرت لونها الأزرق أو الأخضر لتصطبغ بالأحمر احتفالاً بهذا اليوم «العظيم». حتى أنا لم أسلم من تدخل ذلك الشيخ الكبير حينما قطع خلوتنا الضوضائية في المقهى المتواضع ليبلغنا أن هناك في وقت متأخر من ذلك اليوم وفي المكان نفسه حفلة للمحبين، وكونه ذا خبرة بالشباب العاشقين، فإنه لمس من عيني أني عاشق سابق ومحب حالياً، فانتهز الفرصة ودعاني. خلاصة الأمر .. بما أن هذا اليوم صار يسمى عيداً، فلا بد أن يلبس كل خصائص العيد .. ابتداء من التهاني والتبريكات، ومروراً بالفرحة والابتهاج، واختتاماً بالهدايا، وحبذا لو بالغنا في ثمنها واحمرارها. هذا واقع لا افتراض .. وبالتأكيد .. فهذا الواقع المحمر الهش لا يوجد به مكان لروميو حتى يعزف لجولييت من أسفل شرفتها ويصيغ لها الأشعار والأغاني، وهي مشغولة عنه تستلقي في سريرها محتضنة هاتفها الذكي ومندمجة في محادثة جماعية. حتى عنترة ليس له مكان هنا، لأنه أصلاً لن يشترك في عمل إرهابي حتى يذكرها والرماح نواهل منه وبيض الهند تقطر من دمه، ولن يقبلها من ثغرها المتبسم لأن عملية التجميل جرت عند طبيب محتال قلب ابتسامتها عبوساً. وأبو تمام عصرنا سيبدل كل دقيقة محبوبة، وفي كل هاتف معشوقة، ولكل رقم مليحة، ويعلن تراجعه التام عن قوله الشهير ما الحب إلا للحبيب الأول. في الغالب وكما يظهر لي أن الناس يحبون تخليد ذكرى ما ذهب أملاً في أن يعود أو لا يعود .. فالتماثيل واللوحات والصور هي محاولة لترك مثال محسوس لما كان. والأمر ذاته بالنسبة للأمور المعنوية، فعندما يحتفل العالم بالاستقلال أو الوحدة أو الانفصال، هم في الوقت ذاته يحيون ذكرى ذلك الشيء الذي كان. وعندما سحق العمال في مصانع الحديد ومناجم الفحم، استحدثنا عيد العمال، وعندما نسيت الأم في دار العجزة، اخترعنا عيد الأم، وأنشأنا تمثال الحرية بعد احتلال بلد وذبح شعب واستعباد قارة. وعيد الحب هو نتاج طبيعي لغياب الحب بعد سطوة الجنس وانتشار الرذيلة وغياب الوعي وتأخر الزواج وطغيان المادة. إن الوردة الحمراء والدمية المحشوة والهدية الثمينة، وادعاء الحب بها لتقف خجلى أمام الدم الأحمر الذي يروي به طفل صغير تراب وطنه دفاعاً عن كرامته.
#بلا_حدود