الاثنين - 26 يوليو 2021
الاثنين - 26 يوليو 2021

وعليّ جمعُ الحَطب

ما أجملَ العمل الجماعي الذي يقوم على التفاهم والتعاون! ما أجملَه حين يحقق أهدافه وحين تصدق نياته! ما أعظم آثاره على المشاركين فيه وعلى من حولهم! وخير شاهد على هذا النوع من الأعمال هو الشعب الياباني، فمن المعروف أن هذا الشعب يكمن سر قوته وعظمته وإعجازه وتقدمه الذي يشهد له العالم أجمع من مشرقه إلى مغربه هو أنه يعمل بروح واحدة، يعملون كفريق مجتمعين لا متفرقين رؤيتهم واحدة وهدفهم واحد. ولكن قلَّ وندر فيما بيننا مَن يحب هذا العمل أو يسعى إليه، فالقادة كُثُر وقباطنةُ السفينة أكثر في كل ميدان للعمل، تعليماً كان أو تجارة أو صناعة أو غيرها، فالكثير منا يرى نفسه قائداً أعلى من غيره مكانة وأميزهم علماً وأكثرهم خبرة، فلا تجد من يريد أن يعمل معك أو مع غيرك لا لشيء إلا للشعور بأنه في برج عاجي عالٍ بعيدٍ عن الآخرين، فلمَ يتعاون أو يتشارك فهو يملك كل شيء. والعملُ الجماعي له أسسٌ واضحة أهمها: اتفاق الرؤى ووحدة الأهداف وإخلاص النيات وحسن الأداء والحرص على التواصل الجيد المثمر البناء، ولو تحققت هذه الأمور لحصدنا منه خير الجني وأفضل الثمر. وإنْ كان بعضُ الناس يعملون فرادى وينجحون ويحققون الأهداف، وهذا صنف موجود ولا نستطيع إنكاره أو تجاهله، فهم فئة قليلة يملكون مجموعة من المزايا والخصال الخاصة بهم وحدهم مع المزيد من العمل الجاد والشاق الذي يعوض وجودهم في مجموعة مناسبة لهم، إلا أنَّ العملَ الجماعيّ نجاحاتُه أكثر وأعظم، كما أنَّ له أثراً كبيراً في تبادل المعارف والتجارب وتنمية المهارات، والاستفادة من المواهب المتعددة للأفراد وإمكاناتهم المتنوعة، كما أنَّ به تخفيفاً للأعباء وتوزيعاً للأدوار، ويتيح الفرصة والمجال للجميع للمشاركة في اتخاذ القرار وإيجاد الحلول المناسبة، وصقل الخبرات والاستزادة من المعلومات وتنمية الشعور بالاتحاد والصداقة البناءة. فمن يعملون سوياً حالهم كحال فريق الأوكسترا المكون من عازفين مهرة يقدمون لنا أجمل الألحان وأعذب الأنغام، في سياق عجيب من التناغم والتناسق الذي يطرب النفوس قبل الآذان. فالنهر العظيم يعظُم خيرُه عندما تتعدد منابعه وتكثر مصادره، يأتي بالخير دوماً ويتجدد خيره باستمرار، فلمَ لا نسعى إليه وننصهر جميعاً في بوتقة واحدة تسمو بها روح الفريق، تقودها نحو المزيد من العلى والتقدم، فعملنا الجماعي هو بمثابة محطة توليد للطاقات الكامنة والمواهب الدفينة. وليعلم الجميع أنَّ نجاح العمل الجماعي نجاحٌ لكل أفراده وثماره من حق الجميع. ونفعه لا يعود على الأفراد المشاركين فيه فحسب، بل على الوطن أجمع. وهذا ما يصبو إليه كل من يحب هذا الوطن ويسعى لتقدمه وازدهاره. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير قدوة عندما كان مع أصحابه ذات يوم وأمرهم بإصلاح شاة ووزعوا الأدوار وكان دوره الأصعب عندما قال: (وعلي جمع الحطب) فلم يكلِّف مجموعة غيره بالعمل ويتكاسل هو بل شاركهم وحثهم على العمل بوجوده معهم واختياره أصعب دور، فهكذا يكون العمل الجماعي وهكذا تؤتى ثمارُه وتصبح دانية من الجميع. وخلاصة القول، فليبحث كل منا عن دوره ويحدد هدفه ويعمل مع فريقه الذي يناسبه، لعلنا نجد النجاح المنشود .. ونحقق الأمل الموعود ويصبح لنا كيانٌ يُحتَرمُ في هذا الوجود.
#بلا_حدود