السبت - 31 يوليو 2021
السبت - 31 يوليو 2021

حب وكوليـرا في عربـة قطار

بدأ صوت عناق عجلات القطار مع سكته يعلو ويتناغم مع ما في رأسي من أفكار وهواجس بلا منتهى، كنت أغادر العاصمة ممتطياً صهوة القطار، كانت السعادة تغمرني وأنا أضع قدمَيْ على درج سلم إحدى عرباته التي سأستقلها نحو مدينتي متأبطاً كتاباً ملامساً لصحيفة أبتاعهما من مكتبات العاصمة آنذاك. كانت عربة القطار تلك بمثابة رحلة عمر لي، حيث كانت العربة تعج بالكثير من الوجوه وكان أغلب تلك الوجوه .. وجوه متعبة لجنود قدموا من جبهات القتال آنذاك، يستقلون تلك العربات الحديدية مجاناً لدورهم القتالي في تلك الحرب الطويلة، حيث أطلقوا على القطار بقطار الحرب المجاني، بعد أن أتخذ مقعدي في العربة الذي غالباً ما كنت أرغبه بجانب النافذة .. أبدأ بتصفح تلك الوجوه التي جلست قبالتي وبجانبي وبعضاً من الوجوه الأخرى التي تبعثرت في العربة، حيث كنت أُمني النفس بلقاء صديق لي لم أشاهده منذ زمن. أستدير بوجهي نحو النافذة، أستطلع من خلال زجاجها أضواء الشوارع التي ترحل نحو الخلف بمجرد بدء القطار حركته إلى الأمام .. كم كنت أستمتع بذلك المشهد وأنا أرى الأعمدة مع أضوائها والمنازل مع ساكنيها والأشجار مع أعشاش الطيور ترحل نحو الخلف. كنت خلال تلك اللحظة كما لو كنت أستطيع أن أرحل إلى الخلف أنا أيضاً، حيث طفولتي وصباي. يستمر عناق العجلات مع السكة، ويستمر معه ضجيج رواد العربة من الجنود بضحكات من بدأت إجازاتهم الدورية وهمساتهم بمشاريعهم في تلك الإجازات وبحزن من انتهت إجازاتهم الذين سيلتحقون بوحداتهم. تمضي الساعات الثلاث الأُوْل من انطلاق القطار بضوضاء ثم ما تلبث أن تتلاشى مع بلوغ معظم الركاب درجة النعاس، ومن ثم النوم في أحضان الليل الطويل المسافر نحو صباحات مدنهم التي تفتقدهم .. والذين أيضاً لم يحصلوا على القدر الكافي من النوم في وحداتهم .. لم يبقَ في العربة يقظاً سواي وبعض من يأتي من العربات الأخرى باحثاً عن شيء لن يجده، لأن الكل يتشابهون في العربات المخصصة للجنود، على الرغم من أن بعضهم كان يتسلل إلى عربات مخصصة للعوائل ليلتقط نظرة ما من فتاة أو يستطلع جمالها بسرعة البرق لحرمانه من وجه أنثى طيلة بقائه خلف السواتر الترابية وتحت رحمة الموت الذي يستبعده مرة، ولكن يخطفه عبر رصاصة أو شظية في المرة المقبلة ليلقيه في أحضانه البارد. أفتح صحيفتي، كل الصفحات تتشابه أتصفحها بسرعة حتى أصل إلى هدفي في صفحة الثقافة والأدب. ثمة قصة قصيرة وقصيدة حماسية .. أغادرها نحو الصفحة الأخيرة ثمة صور مرفقة لأخبار مكررة، أطوي الصحيفة فمعدتي دوى صوت جرسها، أخرج ما ابتعته من عشاء مع علبة عصير، ياه كم كنت أتلذذ بتناول عشائي وهذا الذي يسمونه القطار يسير طاحناً صوته مبعثراً إياه في أراضي أحيانا تخضر وأحياناً تتجرد من اخضرارها، يرسل صوته إلى الدور المترامية الأطراف حول سكته الحديدية المنفردة وسط تلك البيوت. أفرغُ من تناولي لعشائي وما زال رفيق سفري يغطُ في نومه وصوت زفراته يخترق صمت النافذة مداعباً صوت العجلات وهي تحتك بالسكة الحديدية، لا بأس أعطيته الحق في ذلك، فلا بد أنه لم يذق للنوم طعماً وربما أنه يُشبِع نفسه نوماً ليبقى يقظاً في إجازته كي لا يضيع أيامها في النوم. أغض الطرف عنه فاتحاً كتابي، أطالع العنوان (الحب في زمن الكوليرا ـ غابرييل غارسيا ماركيز)، أبدأ بالتهام صفحات الرواية، حب يطارده وباء الكوليرا في الكاريبي، وبقاء السفينة في عرض البحر مسكناً للحبيبين، يحاول النعاس يفترس يقظتي، لكني أهبُ لأتلامس بوجهي مع زجاج النافذة البارد لأعود متيقظاً رامياً بكل إغفاءة تنتابني إلى رفيقي في المقعد، بينما يصل القطار إلى محطة تبادل السكة مع القطار الصاعد نحو العاصمة، ويبدأ ضجيج المسافرين ثانية، وتبدأ تساؤلات من استيقظ من نومه. - لماذا توقف؟ سرعان ما تزول تلك التساؤلات بمجرد معرفة سبب الوقوف. ثمة أقدام تجر نعاسها، تنتقل بين العربات، تقتل وقت الوقوف هنا أو هناك، يستمر الليل مغادراً ساعاته مبتعداً نحو الفجر، يطلق القطار صافرته معلناً مغادرته محطة التبادل بعد أن يعبر القطار الصاعد فاسحاً السكة للقطار ليكمل سيره عليها، ليبدأ صوت احتكاك العجلات بالسكة بالارتفاع شيئاً فشيئاً، أعود أنا إلى الحب وزمن الكوليرا، أتلذذ بما سطره ماركيز من مشاهد تنسيك أنك تستقل قطاراً يعاند استمتاعك بالسفر فوق تلك السفينة الموبوءة بالكوليرا ومع العاشقين اللذين يستقلانها بصوت عجلاته وضجيج مسافريه وصوت زفراتهم. ينبلج الفجر بازغاً من ثنايا الليل، وكما رحلت الأضواء والأشجار والبيوت نحو الخلف هكذا رحل الليل أيضاً نحو الخلف فاسحاً المجال لأشعة الشمس تنبثق معلنة قدوم الفجر وصباحه. أخيراً، تمكن النعاس من يقظتي تاركاً ما تبقى من رائعة ماركيز في أحضاني. أسندتُ رأسي على مسند مقعدي، لم ألبث إلا قليلاً على تلك الإغفاءة .. حتى نبهني رفيقي في المقعد من أن القطار دخل النفق، ليخرج بعدها مخترقاً بضجيج صافرته الحقول الخضراء على جانبي النهر يوقظ ساكني دورها المنفرطة في تلك الحقول معلناً للمدينة قدومه، يصل محطته الأخيرة ويبدأ ضجيجاً من نوع آخر، إنه ضجيج مغادرته، أحمل حقيبتي مودعاً رفيقي في المقعد الذي ما لبث بسرعة أن اختفى في زحمة نزول المسافرين، أتأبط الحب والكوليرا وثالثهما صحيفتي لأهمَ بالنزول منه كما صعدت إليه، أبتعد عن ضجيج القطار وركابه حتى يلفح سمعي صيحات وضجيج أصحاب مركبات الأجرة وكل ينادي لبضاعته في النقل.
#بلا_حدود