الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

مذكرات سائحة (8) .. الطريق إلى نهاية العالم

في الكون آيات وعبر، كلما زاد المؤمن فيه تأملاً زاد معرفة بحقيقة نفسه واستصغاراً للحياة. بزغ الفجر معلناً يوماً جديداً، وبينماالشمس تتأهب للنهوض، تأهبت أنا وأبي استعداداً لرحلة يكسوها الغموض إلى ما يدعى «نهاية العالم» .. ودعت أمي وبي مشاعر لا أعرفها، ربما كانت مشاعر المودّع الذي قد لا يعود! كان المرشد السياحي بانتظارنا أمام باب الفندق حتى يعرفنا بالسائق الذي سيمضي بنا في هذه الرحلة. زودنا أهل الفندق بالإفطار متمنين لنا السلامة وقضاء أمتع الأوقات. مشت بنا السيارة إلى مناطق لم نصلها من قبل بل لم تطأها أقدام العابثين، ورغم جمالها بقيت لأهلها لا للسائحين.. مساحات خضراء لا تكثر فيها الأشجار كأنما هي حدائق أوروبية. أشار السائق إلى يمينه والشمال قائلاً: هذه مزارعنا، مزارع الخضراوات والفواكه، والأبقار. رأينا المزارعين أطفالاً وعجائز يعملون، والأبقار السمان ترتع وعلى مقربة منها مراوح الهواء الضخمة (التوربينات) المخصصة لتوليد الكهرباء. قطعنا تلك المنطقة لنبدأ صعود جبل مدة ساعة، وكانت هذه الساعة كأنما هي فيلم وثائقي حول الطبيعة بالنمط السريع، ما إن نقطع مسافة صعود حتى نرى الأشجار تتبدل بغيرها، في بداية الصعود كانت قصيرة متراصة في منظر خلاب يبعث على الانشراح، ثم بدأت تزداد طولاً وضخامة كلما ارتفعنا إلى الأعلى كأنما نحن في عالم الأدغال الذي يثير الفزع ولكنه في الحين ذاته يكسو العين جمالاً واندهاشاً. توقفت بنا السيارة على حافة الطريق لنرى الشمس من بين الأشجار ترسل أشعتها الباردة خجلة، كمن صحا متأخراً من نومه وصار يتمدد. جمال الطبيعة وانبهارنا بتنوعها شغلانا عن التفكير في الطريق الذي كان وعراً وغير آمن، يثير الرعب فقد تكون فيه نهايتك.. شارع واحد ذهاباً وإياباً يتسع لسيارة واحدة فقط، غير معبّد بالتمام، منحدرات شديدة جداً، والجرف يبدو في الأسفل. أوقف الرجل السيارة في الطريق وكان هناك آثار لزجاج متحطم وصحف متناثرة على حافته حيث أشار وقال: هنا قبل يومين سقطت سيارة .. قالها كأن هذا أمر تم الاعتياد عليه، موقناً أنه قد يلاقي يوماً النهاية نفسها. وصلنا إلى ما يدعى بالحديقة، وهي قمة الجبل .. نزلنا من السيارة لشراء التذاكر وكان البرد يقرص الجسم قرصاً. دخلنا الحديقة بالسيارة فإذا الطبيعة مختلفة تماماً عن سابقتها، وكأننا فجأة انتقلنا إلى بلد آخر، ربما إلى سافانا أفريقيا .. كانت الأرض حشائش طويلة باهتة يغلب عليها الاصفرار، كأن الحياة تبدو معدومة حتى من الحشرات، هكذا تهيأ لي، يكسر هذا النمط من الافتقار غابات بعيدة ظهرت بمثابة علب الأسرار التي لم نفكر أنه من الممكن إقحام أنفسنا فيها.. لا يفصلنا عن الشمس حجاب، فالسماء تبدو صافية تماماً يُرى لونها الأزرق لا يخالطه بياض السحاب إلا ما قلّ، وتبدو الشمس قريبة جداً .. والأشد إدهاشاً من هذا أن نرى على مد البصر قمم جبال موازية لنا، ومن خلفها جبال بيض من السحب أي أننا الآن على مستواها أو أعلى منها. وقفت السيارة في نقطة معينة، وقال السائق: هنا سأنتظركم، ومن هناك تبدؤون رحلتكم. طلبنا منه رقم هاتفه حتى نعلمه ساعة رجوعنا فقال: لستم بحاجة إليه لأن المنطقة هنا خالية تماماً من الإرسال! الطريق إلى قمة الجبل يشبه شريط حياة الإنسان، فتلك المزارع الخضراء المرتبة الهادئة التي لا تعرف إلا السلام هي كحال الطفل إذ ينشأ .. ثم إذا كبر متمتعاً بالفتوة تبدأ تضاريس الحياة تظهر عليه ظهور الشجر ويباشرها هو بنشاطه، وإذ يزداد بلوغاً وفي الحياة رسوخاً، تتزاحم عليه المشاغل بأنواعها كزحام الشجر وتنوعه وتتضخم همومه كتضخمها ويصبح طريقه محفوفاً بالفتن التي إن لم ينج منها سقط من أعلى الجرف هاوياً. والمؤمن بطبيعة حاله لا يجزع، لذا يواصل مسيره صابراً محتسباً مستمداً قوته من النور الإلهي العظيم الذي به ينشرح صدره ويتيسر أمره .. ثم يحين يومه الذي قد يفاجئه فتنقطع عنه همومه، وتنتهي أيام الكد والركض خلف رزق العيش إذ قد انقضت حياته وصار في العالم الذي كان مجهولاً ينتظر مصيره، هناك ينقطع وتلغى جميع الاتصالات بينه وبين الأحياء من أهله. ـ مدونة: سرمدية النقاء https://sarmadiya.com
#بلا_حدود