الجمعة - 30 يوليو 2021
الجمعة - 30 يوليو 2021

أصناف وأجناس

بقبضة من أديم الأرض ونفخةٍ طاهرة نقيّة بثت فينا الروح لنخرج للدنيا صفحاتٍ بيضاء لا نفقه فيها شيئاً وجئنا جميعاً على قدر الأرض فمنّا الأبيض ومنّا الأحمر ومنّا الأسود ومنّا السهل ومنّا الصعب ومنّا الطيب ومنّا الخبيث، وتجلي الأيام ما كان متأصلاً فينا وتمر بنا السنون وتمضي بنا الأيام وتكشف لنا المواقف طباعاً كانت مخفيّة. فأشخاص ليسوا كسائر البشر، بل هم ملائكة في صورة بشر، طاهرون أنقياء، فهم سكنٌ حين نفر، وملجأٌ ومستقر، بصحبتهم نتقلب في الطمأنينة ونزخرُ بجوٍّ من الراحة والسكينة، وجودهم نعمة وفراقهم نقمة، يلهموننا الخير ويدفعونا لحب الغير، يُقوّموننا إن أخطأنا ويُحفزوننا إن أصبنا، تعترينا القوة بقربهم وتذبُل عزائمنا دونهم، نغيب إن غابوا ونحضر إن حضروا، نفوسٌ راقية نكتفي بها عن سائر البشر، أشخاص لا يمكننا الاستغناء عنهم فهم روح حياتنا. وأشخاص داعمُون، ينتشلوننا من ضياعنا ويتلمسون طُموحنا، ليعيشوه معنا ويدفعوننا قدماً لتحقيقه، يُسخّرون طاقاتهم لأجلنا، يُذللون لنا الصّعاب، يدفعوننا للأمام، يشدُّون عزائمنا، يسهرون على راحتنا، يمضون معنا في الحياة كتفاً بكتف ويداً بيد وقلباً بقلب، فهم لأحلامنا الروح ولحياتنا الطموح. وبشر «مُستذئبون» يحُومون حولنا يخدعوننا ويخادعونا، إن أقبلنا عليهم سحرونا بابتسامة جذابة تخطف الأنظار وبكلامٍ معسولٍ يُسكر الأذهان، يثنون علينا في حضورنا، وما نلبث أن نُدير ظهورنا حتى ينقضُّوا علينا بمخالبهم ليأكلوا لحومنا ميّتة، فها هم يُفبركون الأحداث ويختلقون القصص المسمومة، ليلعبوا فيها دور البطولة، يحسبوننا فريسةً سهلة وهم لا يعلمون أننا على علمٍ بحقيقتهم الوضيعة، وجعبتنا تصدح بقهقهاتنا الساخرة عليهم، فعجباً كيف يظُنون أن حيلهم قد انطلت علينا، وأننا نضعهم في مصاف الصديق الودود، ونحن نراهم في واقع الأمر عدوٌ لدود، بل عجباً كيف يستغبوننا لدرجة أنهم لا يدركون أن لغة جسدهم تنطق قبل لغة ألسنتهم، كيف لا وهُم أناسٌ فقدوا مروءة المواجهة وشجاعة المنافسة، لأنهم لا يملكون ما نملك من أسلحة، ففضلوا المُباغتة في الظلام على المنافسة في النور، فمصيرهم في النور معلوم، فويحهم كيف نسوا أن الله سميعٌ بصير، وأن الله هو القاهِر فوق عباده، وأن شمس الحق لا بد من أن تشرق يوماً. وأشخاصٌ يتسللون النظر لنا خلسة، يراقبوننا من بعيد باهتمام، يحفظون تفاصيلنا أكثر من أنفسنا، يعلمون تماماً ما نُحب وما نكره، ما يُسعدنا وما يُحزننا، يترقبون الفرص لمحادثتنا بل للفت أنظارنا، يختلقون الصدف ويحكون الطُّرَف فقط ليحجزوا لهم مكاناً في قلوبنا. وأشخاص يتلمسون الحاجات، وينشرون البسمات، يلملمون الجراح، وينشرون الأفراح، هم للمريض دواء وللمعدم سقاء، هم كالندى بل أطهر، هم كالشمس بل أدفأ وأظهر، قلوبهم مُلئت رحمة، لهم بصمةٌ وضّاءةٌ في كل خير، لله درهم ما أجملهم وما أروعهم، لم يكتفوا براحة أنفسهم بل ذابوا في هموم الآخرين، جعلوا للخير النصيب الأعظم من أهدافهم، شحنوا أنفسهم بحُب النّاس الضّعاف واشتغلوا بجد ليبصموا بصمة أمل في حياتهم، وعلى الرغم من اختلاف أجناسهم وألوانهم واختلاف مادياتهم، فما سمعوا عن خير قط إلا وكان لهم نصيبٌ منه، فمِنهم من يبذل المال، ومِنهم من يبذل الجهد والوقت ومنهم من يبذل القُوة، عاهدوا أنفسهم بأن يمدوا يد العون لكل محتاج، اجتمعوا على حب الله وتفرقوا على حبه، آملين أن تُحجز لهم مقاعد من نور في فردوس السرور. وأناسٌ قلوبُهم مُظلمة وأعينهم دائماً مُصوبة تُجاهنا تفيض بالشرر، يُحصون علينا الضحكات، ويُعدون علينا النّعم، يتقصّون أفراحنا لا ليشاركوننا إياها بل لِيكونوا في قلب الحدث لِيبثوا سُمومهم، فابتساماتنا تقُض مضجعهم وتُنغّص عليهم حياتهم، فأفئدتهم مُلئت حسداً وغلاً، فيحرقوا أنفسهم ويحرقوننا معهم، فكم من جسدٍ مُلقى على الأسرة البيضاء يُكابد المرض، وكم من أرواحٍ غادرتنا ودثرتها الرمال، وكم مِن بيوتٍ تعاني العواصف من دون سبب يذكر، فأخوانِ متشاقانِ، وأزواجٌ متباغضون قد أصيبوا بأعينٍ سامة يخالطها حقد دفين ورغبة شيطانية بزوال النعمة عنهم. نعيش الحياة ونمُر بمواقف تُسفر عمّا وُوري عنّا من خفايا الناس، فلا أستار ولا أعذار، إنما هي محطات تخلع العباءات، بعدها نُبصر الفرق بين الثرى والثريا، فإما ضحكاتٌ تُسعد الرّوح وإما حطامٌ ولملمةُ جروح، لذا عِش بالحب، عِش بالرحمة والتسامح وإن لم تستطع أن تُثري حياة من حولك بنغمٍ وأغنيات، فلا تترك فيها آهاتٍ ودمعات، وعش بالأمل وعامل الناس بسجيتك، فأحبب من أحبك وأغدِق عليه المودة فلا أحلى من حياةٍ بقربِ من نحب، وعامل من يبغضك بالرأفة واللين واتركه يُعالج النار المُضرمة بداخله، فما أعدل البغض! بدَأ بصاحبه فقتله، وأبصِر معادن الناس وكن حذقاً في تعاملاتك معهم وراوح بين الحب والمودة والعطاء وبين الفطنة والحذر والذكاء، فلا ضرر ولا ضرار، واحجز موقعاً طيباً في حياة الآخرين وكن من الذين يتركون عبقاً طيباً في كل مكانٍ يمرون به، فما الحياةُ إلا سويعاتٌ وتنقضي ولا يبقى فيها إلا كل أثر طيب.
#بلا_حدود