الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

من أجل تمكين المرأة الموظفة

ظهر الاهتمام بالتدريب والتطوير بشكله الواسع في العصر الحديث، كضرورة ملحة لإعداد الأفراد وتدريبهم داخل البلد وخارجه لأداء الوظائف المطلوبة بالمستوى المطلوب في كل التخصصات الوظيفية من دون التركيز على اختصاص معين أو شهادة دراسية أو جنس معين رجلاً كان أم امرأة، إلا أن البعض من المسؤولين يتوقف قلمه عن الكتابة عندما يطلب منه ترشيح موظفة في دورة تدريبية، وهذا يرجع إلى ثقافته الرجولية والاجتماعية التي تنعكس سلباً على أدائه الوظيفي وما يصاحبها من تأثيرات جانبية أخرى، فيصبح الحديث عن المرأة الموظفة ونيل حقوقها عنده نوعاً من التمرد على القيم الاجتماعية المنعكسة سلباً على مفردات العمل المبنية أساساً على عدم المساواة في الحقوق للجنس الآخر. وقد يلجأ إلى إنكار دورها في العمل وإلى أنها كثيرة الإجازات ولا تمارس اختصاصها المهني المرتبط بتحصيلها الدراسي ليدخلها في دوامة الرفض والتغاضي والمرور عليها مر الكرام، متناسياً أن المرأة قد تتفوق على الرجل في جوانب كثيرة عملية وعلمية وتثبت فاعليتها في مجالات واسعة، ولو رجعنا إلى الوراء قليلاً لوجدنا الكثير من النساء درسن في الجامعات الأوربية وتفوقن على النساء الأوربيات بإنجازاتهن المتعددة في مجالات الهندسة والطب وعلوم الحياة، لأنهن عشن في مجتمع حر منفتح يشجع الإبداع ويحترم العبقرية الفكرية. أما المرأة عندنا في أغلب مجتمعاتنا العربية وخصوصاً المرأة العاملة فإنها لا تزال تعاني العزلة والحالة النفسية الضاغطة نتيجة ظروف الحروب طوال العقدين الماضيين، فهي لم تعط حقها لحد الآن ولم تأخذ مكانتها كما يجب في تقلد المناصب العليا في الكثير من دوائر الدولة على الرغم من وجود كوادر نسائية محترمة تستطيع تقلد أي منصب وهي لا تقل عن الرجل علماً وممارسة، كما أن هناك بعض المسؤولين يضغطون بالاتجاه المعاكس لطمس دورها وجعلها تابعة. إن احترام المرأة الموظفة والدفاع عن حقوقها ليس غايتهما فقط الحرص عليها بل الحرص على الموظف نفسه وعلى عموم المجتمع والدولة ليكون أكثر توازناً وعاطفة وإنسانية وأقل غبناً وإجحافاً وظلماً، إن المساواة هذه لا تعني أبداً المساواة في الهوية الذاتية بل المساواة في الحقوق الإنسانية الاجتماعية والمهنية، فالثقافة ليست وقفاً على أحد دون آخر، وليست ملك فئة دون أخرى إنما هي ملك للجميع وينبوع ثرٌّ في متناول الجميع، رجالاً ونساء، وإذا كانت الغايات من التدريب والتطوير في حد ذاتها تحويل الموظف من حاله إلى أخرى في تصرفه وتدبيره ونهجه وتفكيره، فنحن اليوم بأمس الحاجة لتدريب المرأة الموظفة واطلاعها على تجارب الشعوب الأخرى بعد سنين طوال من التهميش والمعاناة الطويلة في البيت والعمل والمجتمع، فهي اليوم بحاجة إلى تثقيف عملي ممنهج يرفع مستواها الفكري إلى مرتبة القدرة على تكوين مجتمع صالح ومتطور وفعال. لقد أدى التقدم العلمي الحديث إلى قيام الشركات بإعادة دراسة السياسات التدريبية والتطويرية معاً، والعمل على تطويرها بما يتناسب والظروف التي نعيشها حالياً، من أجل التطلع إلى مستقبل أفضل واستثمار الأفراد نساء ورجالاً وتزويدهم بقيم ومثل روحية جديدة، ودعم حلقات العمل في المستويات المختلفة واستمرار تحسين إنتاجية العمل. مع ضرورة الاهتمام الخاص بالعنصر النسوي المشارك في النشاط الاقتصادي للدولة عبر تزويده بالمعارف وتطوير خبراته ومهاراته وإيجاد فرص للدراسة والتدريب والتأهيل له بالطرق المناسبة ولكل المستويات، حيث أشارت بعض الدراسات إلى أن أكثر الدول مساواة بين الجنسين في العالم هي أيضاً بعيدة عن المساواة المثالية وعلى رأسها الدول الأسكندنافية وآخرها دول الشرق الأوسط وأفريقيا. إلى جانب ذلك فإن هناك الكثير من الشركات تواجه نقصاً في الكفاءات البشرية المدربة تدريباً سليماً بسبب إهمال دور المرأة في العمل والتمييز بينها وبين الرجل في الحقوق وتكافؤ الفرص في العمل، لذا لا بد من أن يتماشى تخطيطها المادي مع التخطيط لطاقاتها البشرية حتى لا تكون هناك اختناقات تعوق الخطط والبرامج المرسومة. وبسبب النظرة الدونية للمرأة في العمل السائدة في أغلب دوائر الدولة، فإن النسبة الكبرى منهن لا يشاركن في الإنتاج بشكل مباشر بل يشكلن نسبة كبيرة من البطالة المقنعة داخل الشركات والدوائر الحكومية، وهنَّ لا يسهمن في إنتاج الدخل القومي بل في استهلاكه، إلا أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الجارية حالياً في العالم الحديث سوف تسهم في تغيير واقع المرأة في مختلف المجالات، فهي تمارس دورها العائلي في إدارة البيت وتربية الأبناء باعتبارها زوجة وأماً تمارس أيضاً دورها الاجتماعي الاقتصادي باعتبارها موظفة وناشطة في المجتمع. لكن أبرز المشكلات التي تعانيها المرأة الموظفة اليوم هي عدم إشراكها في دورات تدريبية داخلية وخارجية بغية رفع مستواها وخبراتها لتأخذ منصباً قيادياً في الدائرة والشركة التي تعمل بها، على الرغم من أنها تشكل نصف أو ثلث المجتمع ولديها من الإمكانات العلمية والأكاديمية ما يؤهلها لتكون في منطقة صنع القرار. وهذا يعود إلى الأفكار والعادات والتقاليد البالية وتدهور الوضع الثقافي والاقتصادي واستمرار سياسة العنف والاضطهاد ضد المرأة، دون مراعاة لكرامتها ومشاعرها كإنسانة. وأخيراً أقول إن الكثير منا لا يفهم حقوق المرأة التي أقرتها الأديان السماوية ولا بد من فهم القوانين وعدم جعل الدين شماعة للتنصل من الالتزامات السياسية والثقافية والأخلاقية والحقوق السماوية والدستورية والديمقراطية. وقد ثبت أيضاً أن الرجال والنساء يصنعون أنفسهم ليس في الثروة أو المركز الاجتماعي فقط .. ولكن في كفاءتهم ولياقتهم الجسمية. فلا بد من تشخيص مَواطن الخلل في القوانين والأنظمة التي تحرم المرأة من التدريب والتطوير وأشغال المناصب، وتحشيد الرأي العام لمناصرة قضاياها مع حملة لتثقيف النساء لأجل بناء الثقة بينها وبين القوانين التي تدعم حقوقها وزيادة الدعم الإعلامي لها، فهناك الكثير من القوانين التي لا تزال نافذة والتي تهضم حقوق المرأة وتتقاطع مع القوانين والمعاهدات الدولية ومع نصوص الدستور الذي منح المواطن حقوقاً وحريات واسعة من أجل الضغط باتجاه أنصاف المرأة وخلق تكافؤ للفرص وأفكار جديدة ومتجددة مما جعل دور المرأة في أجواء العمل ينكمش ويزداد المحظور فيه، وفي أغلب الأحيان تهمل الأصوات المنادية بالمساواة والإنصاف حتى أصبح الحديث عن الابتكار والتطور العلمي الخلاق يشكل ضرباً من الجفاء وخروجاً عن المألوف. من هنا يجد المصلح والمثقف نفسه معزولاً عن متابعة الأمور الخاصة بتطوير المرأة التي باتت مغلَّفة بسلبيات الماضي ومنسية وضائعة في متاهات الحاضر، فإذا استثنينا الدراسات الدينية المتعلقة بالحلال والحرام، يبقى نصيب المرأة من الدراسات العلمية قليلاً لأن الكثير منا يتناول المرأة من الجانب الفيزيولوجي لا الإنساني. شاكر الساعدي
#بلا_حدود