الاثنين - 26 يوليو 2021
الاثنين - 26 يوليو 2021

طاولة وقلق

الطاولة رقم 12 كانت ريا منهكة من السير لساعات، محملة بأشياء ابتاعتها، محمل قلبها بأشياء تفكر بها، أشياء تريدها، وأشياء تخافها، تخبر نفسها بأنها يجب أن تتخلص من مخاوفها حتى تضمن عدم تحققها، لأنها تعي جيداً أن ما تخافه يأتيك، وما يشغلك كثيراً يحصل. الخوف عكس الحب، هذا ما سمعته مؤخراً وما يروق لها أن تؤمن به. قلبت قائمة الطعام، لا تشعر بالجوع، هي تشعر بالامتلاء، قصدت المركز التجاري لأنها ترغب بتناول الغداء في مطعم رشحته لها أكثر من صديقة، لم تشعر بلذة وهي تتناول الطبق الذي يتفق الجميع على لذته. عندما كتبت لصديقاتها تخبرهن عن خيبة أملها، اتهمنها بأنها لا تحب الطعام، هل كان اتهاماً أم حقيقة؟ طلبت إبريقاً من البابونج لعله يساعدها على الاسترخاء ويريح معدتها التي تلبكت بعد تناول ذلك الطبق الذي خيب آمالها. كان المقهى مكتظاً بالرواد، هي اختارت طاولة منعزلة، حين تنبهت لرقمها تذكرت الفيلم الذي انتهى في الثانية عشرة وسفرها الذي تقرر في الشهر الثاني عشر، تذكرت نفسها عندما كانت في الثانية عشرة، والأمنيات الاثنتي عشرة التي كتبتها مرة في دفترها القديم ولم تعد إليه لتتأكد من تحققها. كان هو يراقب انعكاس وجهها على الزجاج الذي وضع لإيهام الرواد بأن المقهى به نوافذ، لم تكن ملامحها واضحة، لكنه شعر بحزنها وتعبها، كانت شاردة تحدق في شيء ما على الطاولة، لم تكن كبقية الرواد مشغولة بهاتفها أو جهازها المحمول. طلبت الحساب، أخبرتها العاملة الآسيوية بابتسامة لطيفة بأن السيد الذي كان يجلس خلفها دفع حسابها، التفتت تبحث عنها لكنه كان قد ابتعد كثيراً. هل كان أحد أقربائها؟ زميلها في العمل؟ مديرها؟ ظلت تتساءل طويلاً. لم يتمكن من رؤية وجهها الحقيقي، كانت لمحة سريعة، صورة جانبية لوجهها حين التفتت تتحدث إلى النادلة ثم عادت لوضعيتها تواجه الزجاج. انعكاس صورتها وجلستها الحزينة كانا كافيين ليتعاطف مع حزنه الذي لا يعرف سببه ويقدم على تلك اللفتة الطيبة. لم يلتقيا من جديد، بقيت هي تتذكر الطاولة رقم ١٢ ومشية الرجل الكريم وهو يسير مبتعداً كلما جلست في أحد المقاهي وطلبت إبريق بابونج، وهو ظل يأمل مصادفة وجهها الجميل وانعكاسه الحزين على زجاج النوافذ. * * * قلق كانت الساعة تشير إلى السابعة مساء حين فتحت عيني، الغرفة دافئة والصمت يطبق على المكان، مكالمة فائتة والمتصل أبي، قفز عقلي إلى حيث أمي التي سافرت صباحاً لحضور حفل زفاف ابنة صديقتها. اتصالات أبي تقلقني، أعدت الاتصال به غافلة عن الصلاة التي فاتتني وكالعادة لم يجب، في رأسي أغنية من حفلة الأمس، تكرار سماعها اليوم في سيارة شقيقي جعلها تثبت في رأسي ولا تفارقه، حلم غريب غير مريح اجتر نفسه إلى ذاكرتي، مشاعر مشابهة للمشاعر الغريبة التي انتابتني وأنا أقرأ ديوان الشعر قبل أن أستسلم للنوم عادت لتنتابني. أتوضأ بماء بارد، أشعر بالعطش، لا أعرف لماذا أصحو عطشانة كلما نمت نهاراً. أتجاهل عطشي وأصلي، أتبع الصلاة بسجدتي السهو، أتناول قنينة ماء وعلبة عصير من الثلاجة. لم يتصل أبي بعد، أعيد الاتصال، لا يرد، أتصل بأمي، تسأل عن أحوالنا ثم تقول إنها في صالون التجميل وإنها قد لا تعود في الغد، تنهي المكالمة سريعاً، أشعر ببعض الاطمئنان، وأبي لم يرد بعد. الأغنية لا تريد ترك رأسي وشأنه، أرشف العصير، تزعجني شدة حلاوته، أتذكر أنني لم أنم كفايتي ليلة أمس، سهرنا أنا وشقيقتي نتحدث عن الحفلة، ترددت طويلاً اليوم في الذهاب إلى العمل، في النهاية ذهبت. الآحاد ثقيلة، كنت في فترة من فترات عمري أحبها، أنتظرها بفارغ الصبر، الآن لم أعد أنتظر شيئاً ولحسن حظي أو سوئه لم أعد أنتظر أحداً. «أخاف أن أشيخ، وأعلق في ثقل المسافة بين العتبة والباب»، حين قرأتها صباحاً شعرت بأنني في بدايات الشيخوخة، التقدم في العمر مفزع، وفكرة أن يشاركني أحدهم فزعي تبدو فكرة مريحة بعض الشيء، لكن لم ترحني الفكرة أبداً بل وضعتني في مواجهة حقيقية وغير متكافئة مع خوفي الأكبر. ماذا تراه يريد من اتصاله؟ ربما حاول الاتصال بأحد إخوتي ولم يجبه لهذا اتصل بي لأؤكد وجوده في المنزل، أو ربما يكون اتصل بأمي ولم تجب، ويريد أن يسألني إن تحدثت إليها، ما سبب اتصاله؟ أعود إلى حيث وصلت في الديوان، البداية كانت مدهشة، تحول إلى ديوان عادي في صفحاته الأخيرة. أنظر إلى الهاتف، أفكر في إعادة الاتصال لكنه قد يستاء من إلحاحي. أنظر إلى نفسي في المرآة، ما زلت أشعر بالنعاس، غفوت بملابس العمل، عدت لملابسي الخفيفة حين لم يتريث الشتاء وحمل نفسه ورحل، لم أكتف منه، لكنه لن يكون أفضل من جميع الأشياء التي تنتهي قبل اكتفائي منها. كانت لدي خطط كثيرة لأنفذها فيه، رحل قبل أن أنفذ أياً منها، للشتاء المقبل لا خطط لدي. أنهي الديوان، كانت قراءة سريعة، طريقتي المعتادة في القراءة حين أكون شاردة، طريقتي في القراءة أغلب الوقت. يرن الهاتف، تتعالى دقات قلبي: - هلا بويا.. - هلا، شحالج؟ - بخير أنت شحالك؟ - بخير، المعاملة ما مشت، الصورة غير مقبولة. أخيرا أبتسم على الرغم من أن جواز سفري غير سارٍ منذ شهرين. ـ مدونة: لطيفة الحاج https://latifahaj.com
#بلا_حدود