السبت - 24 يوليو 2021
السبت - 24 يوليو 2021

امرأة هزت عرش مصر

مخطئ من يظن أن حكم المرأة ناعم مثل شكلها، أو رقيق مثل قلبها، أو ذا دفء مثل صدرها، فهناك فرق بين صفات فطرية وصفات مكتسبة قد تُغيّر السلوكات والأمزجة 180 درجة، فالمرأة هي الحنان والرحمة للرجل، فإذا أصبحت سيدة عليه في العمل أو المنصب أو المسؤولية، اختفى منها كل لون من ألوان الحنان والرحمة، وحلت الصفات المكتسبة من الإفراط في حب الذات والأنانية ومحاولة تحقيق المصير وإثبات الذات، وهى لأجل ذاك الهدف العارض، قد تضحي بكل ما لديها من حنان ورحمة وأنوثة، قد تضحى بكل صفاتها الفطرية، لأجل الحفاظ على رونق المنصب الجديد. والتجربة أثبتت ما لحكم المرأة من قسوة لا يتحملها بشر، ولعل المثل الأشهر في حكم النساء هو ذاك المثل الذي قصه علينا القرآن الكريم في سورة النمل (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) لها السيادة والريادة على قومها، فهم لا يحركون ساكناً إلا بإذنها وبمعيتها، لذا عندما عرضت أمر رسالة الهدهد من سليمان عليهم، وأرادت رأيهم، ردوا بأن لا رأي لهم، وأرجعوا الأمر إليها، فقالوا لها (نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) أي أنت تخططين ونحن ننفذ، أنت العقل ونحن القوة. الآية انعكست، والمشهد يحكى نفسه، وينبئ عن مكنونه، فللرجال القوامة بما فضلهم الله به في بعض القدرات على النساء، فجعل للمرأة نصيباً موفوراً من الرحمة والحنان أكثر مما جعل للرجل، وجعل للرجل نصيباً من العقل والقوة أكثر مما جعل للمرأة، وخصهما سبحانه بذلك لحكمة واضحة، وهى استكمال مسيرة تلك الحياة، فيكون الرجل المكلف بالعمل والكسب، والمرأة المكلفة برعاية الزوج والأولاد، وإذا حدث خلل في هاتين الوظيفتين اختل كل شيء، لذلك تؤكد الدراسات الحديثة كلها أن المرأة عندما اشتغلت بالسياسة والوظائف القيادية ونافست الرجل على المناصب، كان ذلك على حساب أنوثتها ومادة تكليفها، وهي أن تكون السكن للرجل، ولكنها خرجت للعمل، وقد تكون في وظيفة أعلى من الزوج، فيأخذ العمل من وقت السكن للزوج والرعاية للأبناء فتتحول مع الوقت إلى شبه رجل.. عفواً، الحديث في هذا الأمر به دراسات عديدة لمن يريد الاستناد إلى وجهة نظرنا أو تبنى قولنا، فالمرأة فقط عندما تكون سيدة في بيتها، مختصة بزوجها وأبنائها، أما إذا اشتغلت بالسياسة غابت عنها كل ملكات الرحمة والمودة وينابيع الحنان، وحلت محل ذلك نقمات بالسياسة ولعنات المسؤولية الاجتماعية. وهذا أيضاً هو المبرر ذاته لنجاح المرأة وتفوقها على الرجل في ميدان عملها، لأنها لم تشأ أن تفرط فيما وصلت إليه من نجاح في اكتساب الوظيفة العامة الرفيعة كالقضاء مثلاً، واكتساب الوظيفة الدبلوماسية الرفيعة كسفيرة مثلاً، بل أرادت أن تحفر نجاحها على صخر لا يفنيه الزمن في هذه الأماكن، لا لتفتح الأبواب أمام قريناتها من النساء، بحكم ميل الجنس لجنسه، ولكن لتصنع لنفسها اسماً تشبع به ذاتها وطموحها الذي لا ينتهى عند حدّ. ولكَم أثبت التاريخ تلك الرؤية وأكدها، فبلقيس لم تكن بالزوجة الحنون ذات الأنوثة الفياضة، ولكنها كانت السلطانة الآمرة الناهية. كانت الزوجة التي قتلت زوجها لتستولى على العرش. منتهى التناقض .. فالمرأة تكتمل أنوثتها ورحمتها وسكنها لزوجها إذا قدمت زوجها وأولادها على ما سواهما، أما إذا قدمت السلطة أو المنصب، فلا قيمة لتلك المعاني أصلاً في حياتها، بل تغدو بمثابة الجلاد الذي لا يشغله ألم الضحايا بقدر ما يشغله التمكين لنفسه وإثبات قوته، ولن تتردد في تحقيق ذلك عن أي شيء أو دفع أي ثمن حتى لو كان هو قتل الزوج ذاته.. ويتكرر المشهد ذاته أيضاً في مصر القديمة، لتأتي امرأة إلى القصر الملكي، والأحوال مستقرة، والأمور كالعادة على ما يرام، لتهز عرش مصر بكل ما أوتيت من قوة وتعلن التمرد على الرجل الذي يقع في أرفع درجات السلطة آنذاك، تلكم هي امرأة العزيز، التي راودت يوسف عن نفسه فاستعصم منها، فسخرت سُلطتها المكتسبة من سلطة زوجها لتزج به في السجن ظلماً لتعلن بذلك وفاة الظلم في مصر وقيام ما يرسخ العدالة والكرامة الإنسانية. والمتأمل في المشهد قد يقول إن امرأة العزيز لم تكن صاحبة سلطة، وبالتالي لم تعط اهتماماً للسلطة أكثر مما تعطى اهتماماً للزوج، فالقياس هنا خاطئ. وصاحب هذا القول فاته العلم بأن مفسدة السياسة والوظيفة العامة لها أشكالها المتعددة وليس شكلاً واحداً. زوجة العزيز لم تكن هي صاحبة السلطة الرسمية ولكنها كانت صاحبة السلطة الفعلية، سلطة الأمر والنهى، وهى سعت خلف شهوة هي أخس ما في النفس الإنسانية، متوشحة بسلطتها متكئة على عزها، معتمدة على قوة سجيتها، فلما رفض ما دعته إليه أثبتت تملكها للسلطة بشيئين: الأول أنها أثرت بقوة شخصيتها في زوجها، على الرغم من سماعه لشهادة الشاهد من أهلها، وعلى الرغم من قناعته ببراءة يوسف، إلا أنه لم يستطع أن يحُرك ساكناً ضد امرأته، فقال ليوسف (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ) هذا هو كل ما فعله، ولعل موقعه في السلطة يحتم عليه من وجهة نظر البعض ألا يخرج عن هذا التقليد حتى يحافظ على استقرار البلاد، ولكن أياً كان الأمر، فلقد أخطأ في حق نفسه أولاً، وفى حق العدل والحق ثانياً، فهو زج بيوسف في السجن مع استمرار مراودة زوجته ليوسف عن نفسه، إلى أن أظهر الله كل شيء، فأحق الحق سبحانه وأبطل الباطل في توقيت أجله ردحاً من الزمن لحكمة تغيب عن عقولنا حتى اليوم. إن امرأة العزيز هزت عرش مصر، والعروش لا تهتز دوماً إلا بالنساء، فهل تعي نساء العصر ما نقول.
#بلا_حدود