الأربعاء - 28 يوليو 2021
الأربعاء - 28 يوليو 2021

المعلم المبدع

لكم أحببنا بعض المواد وفهمناها! ولكم كرهنا أخرى ولم يقترب منا هواها، لكم شعرنا بسرعة الحصة كأنها لمح البصر ولكم شعرنا بطول مداها وكأنها كل العُمُر. ولكم تعلقنا بمعلمين وتذكرناهم! ولكم نسينا آخرين وغابت عنا ذكراهم. ولكن ما السر في هذا؟ السر هو المعلم الذي بسببه شعرنا بأحد الشعورين السابقين. فالمعلمون صنفان، فالمعلم الناجح هو الذي يقود طلابه ويجعلهم يحبون مادته وما يُدَرِّسُه وما يُقَدِّمُه لهم حتى لو كان صعباً، يُسهل لهم الصعاب، ويمحو الغموض والإبهام مما صَعُب على الأفهام، يحاولون الاستفادة والفهم منه بقدر المستطاع ويطبقون ما تعلموا خير تطبيق، أما الصنف الآخر منهم، فيجعلك تكره المادة، وتشعر بأن عقارب الساعة توقفت في حصته، تتثاقل في دورانها، فحصته للأسف لا فائدة فيها، ولا طائل منها ولا فهم مباح فالآذان صمت والأفهام غُلِّقَت. فالتعليم سَفينة تُبحر في بحر مضطرب الأمواج لا يعرف الهدوء أو السكون، وقائد السفينة وربانها هو المعلم، والربان الماهر هو الذي يقود سفينته بكل حنكة ومهارة، بكل علم وجدارة، يحب طلابه ويحببهم فيه، يتعلق بهم ويتعلقون به، يتقرب منهم ويلامس قلوبهم بشتى الطرق والسبل، يتعامل معهم كأمانة سيسأل عنها أمام الله، وما أعظم السؤال. ولهذا يجب أن يكون المعلم مبدعاً وملهماً وقائداً ونموذجاً للإبداع والإتقان، يفهم نفسيات طلابه، يشدُّ من أزرهم، يُحلق بهم ومعهم في سماء العلم والحضارة بين نجوم المعرفة وأسباب الصدارة، يصب في قلوبهم حب العلم والثقافة، يحفزهم ويشجعهم ويعاملهم كأبنائه وما أغلى الأبناء. وقبل كل هذا الإخلاص في عمله والإحسان، يراقب الله لا غيره مهما علت مكانته أو منصبه. فيعمل كأنه يرى الله، وإذا لم يكن يراه فالله ناظره وشاهده. ولذا وجب على المعلم أن يطوّر نفسه ويبدع في عمله، يجدد أفكاره وينمي مهاراته، ويزيد من قدراته ويبحث عن الجديد دوماً ويكون دافعه ذاتياً في هذا الأمر لا خارجياً، لا ينتظر دورات تنمية أو ما شابه، بل يجعل التطوير دوماً هدفه وحليفه، والتغيير للأفضل نصب عينيه، يسابق الزمن للإبداع والابتكار فيما يقدمه ويعلمه، يبتعد كل البعد عن الروتين والتعقيد والتقعير والركود والبقاء كما هو بالطريقة نفسها وبالأسلوب نفسه لا جديد ولا حديث يشغل باله، الكآبة تحيطه والسطحية تحاصره. فما أجمل النهر الجاري المتجدد الذي يأتي دوماً بالخير الجديد، لا يتوقف فيأسن ويتغير للأسوأ. ولذا أيها المعلم الفاضل، لتكن مبدعاً من المبدعين، ولتجعل من تعليمك وحصتك وقتاً للإمتاع والتعليم، تجدد همتك ونيتك كل يوم أمام الله، ودعك من المحبطين والمثبطين فليأكلوا من الهواء ما يشاؤون، ارسم أهدافك وحدد مبتغاك وارسم لنفسك طريق النجاح ولا تنتظر من يرسمه لك، ولتتفهم طلابك واحتياجاتهم، وتشخص حالاتهم، وتدفعهم للأمام، تستعين بأدوات التعليم والتقنية في عصرنا هذا وما أكثرها، تطوعها لخدمة العملية التعليمية وطلابك، وتعمل على إشراك طلابك فيما تقوم به، تخصص لهم دوراً حتى لو كان بسيطاً، فالطالب يسعد بهذا ويشعر بأنه مهم ومؤثر. وختاماً.. كفاك شرفاً وعزاً ورضاً أن يقول أحدهم يوماً: نعم الأستاذ فلان، ونعم من درسنا، ونعم من علمنا، أكرمه الله بكل خير، وأبعد عنه كل شر، ذلك الدعاء عن ظهر غيب خير الدعاء وأطيبه، فلتبدأ يا معلم الأجيال رحلة الأميال، فالتعليم فن وإبداع وليس مهنة كباقي المهن، ولك كل الشرف عندما تكون قدوتك معلم البشرية ونبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم. فهو خير مثال وخير معلم للأجيال.
#بلا_حدود