الثلاثاء - 27 يوليو 2021
الثلاثاء - 27 يوليو 2021

عجز مبكر

«جزء من قصة أكتبها» رأيت أن العجوز متعبة قليلاً، فطلبت منها أن تذهب لنيل قسط من الراحة، وافقت بشرط ألا أغادر وأن أنام عندها، لم أتحل بالجرأة لأرفض .. مددت جسدي بجانب جسدها، أمسكت يدها وبقيت أطالع كفها التي رغم كثرة تشققاتها ما زالت تبدو مهيبة. هكذا كانت العجوز تنام إذاً .. عاقدة الحاجب فتبدو وكأنها غاضبة رغم أنها ما غضبت يوماً، رمش يرتعش كل ثانية، تطبق شفاهها الواحدة على الأخرى بطريقة تجعل وجنتيها تبدوان سمينتين. بدت في لحظة حزينة كأنها تحاول جاهدة كبح دموعها. أتأمل تجاعيد وجهها، وأتساءل: من يا ترى كان سببها؟ فتحت عينيها وضحكت .. كشفت حقيقة أنني ما أغمضت عيني منذ اللحظة الأولى، سألتني: أتعطينني وجهك مقابل تجاعيدي؟ إذ يبدو عليكِ إعجابك الشديد بها. اكتفيت بابتسامة، كنت على وشك سؤالها أحزينة أنت؟ ولكنني فضلت تصنع العمى. غطست صديقتي في نوم عميق، قبلت رأسها بلطف، وببطء خرجت. الغريب أنني كلما ابتعدت عن جغرافيا منزل العجوز تراءى لي نواح امرأة حزينة وصراخ رجل، كان صوت الرجل حاداً مليئاً بالغضب ومخيفاً .. ومع كل خطوة أخطوها كنت أقترب أكثر من الصوت الذي بات يمزقني. بدأت أقترب أكثر، وبدأ الصوت يعلو أكثر. فكرت في لحظة أن أعود أدراجي إلى منزل العجوز تفادياً للموقف الذي سأكون به في حال رأيتهم، ولكنني خالفت ما رغبت فيه وتابعت خطواتي الثقيلة، لِمَ أستحي من الموقف إن لم يستح الرجل أن يكون بطله؟ وفجأة وجدت نفسي وسط نزاع نشب بين زوج وزوجة يصرخ أحدهما على الآخر أمام أطفالهما الذين يرتجفون رعباً، المرأة تصرخ باستحياء واضطراب كمن يطلب النجدة، أما الرجل فيصرخ بعنف وغضب حتى إنه أوشك على صفعها، وبحركة لا إرادية بحركة لم أتوقع أن أقوم بها يوماً، أمسكت يده الحارة وطلبت منه أن يهدأ قليلاً! بحزم قررت مسك الأمر رغم أنني أصغرهما عمراً ولكنني بدأت أقيس أمور الحياة .. لا بالعمر بل بما حمله العمر، ويبدو أن العمر لم يحمل لهما ما يستحق الفخر، لذا لم يخجل الرجل من الصراخ على امرأة، والمرأة لا تخجل من كونها طرفاً في مسرحية يطالعها المارة بمتعة. نظرت إلى الرجل باشمئزاز، ثم نظرت إلى وجه المرأة بشفقة وكره لأنها انجبت من هذا الطاغية طفلين بريئين، لم أرد التدخل فيما لا يعنيني، فقط قلت: حُلّا ما بينكما داخل منزلكما، لا داعي لأن تعرضا نفسيكما للفرجة، سآخذ الطفلبن الآن وسأعيدهما عند غروب الشمس. أردت بشدة شرب قليل من القهوة، رغبت شيئاً مراً كمرارة ما يمر به الطفلان .. إن آثار الخلاف بين الأبوين ظاهرة على الطفلين، هما خجولان لدرجة يصعب فيها علي الحديث معهما بسهولة. ذهبت بهما إلى المقهى نفسه الذي زرته المرة الماضية، ذلك المقهى الذي رأيتك فيه من بعيد. سألتهما: أين تفضلان الجلوس في النصف الداخلي أم الخارجي؟ لم يجيباني بل تركا لي حرية الاختيار. في النصف الداخلي جلسنا، حاولت إضحاكهما فلم أستطع .. علمت حينها أنهما ليسا طفلين، بهدوء بقيت أنظر إليهما بينما يتحاشيان النظر إلي، شربت قهوتي تحت أنفاس صمتهما وأنا أفكر في كمية الشقاء الملقاة على ظهرهما ليتصرفا بهذه الطريقة الراقية التي لا تمت للطفولة بصلة. إن الوقت لا يزال مبكراً حتماً ليفكرا بعواقب أقوالهما ويعدا للعشرة قبل أن ينطقا بجملة قد يندمان عليها، ما هي أكبر خطيئة قد يقع فيها هذان الطفلان؟ كان بي صرخة حاولت كبحها كثيراً.. تحدثا بكل ما تشتهيه نفسكما فأنا لن أستطيع إخراسكما بأي حال من الأحوال. تحدثا، فسيأتي الوقت الذي لن تستطيعا فيه الحديث .. بعد أن يتعود الجميع على صمتكما. النيران في جوفي احتضنت تلك الصرخات وهدأتها إلى أن خمدت. كم من دموع سقطت منهما ليسأما البكاء ويفضلا عليه الصمت. كم من حزن مر بهما ليفضلا الجلوس على اللعب والابتسامة المتصنعة على العبوس. كم يا ترى مقدار العطب في قلبهما؟ إنهما ليسا طفلين، بل يفوقاني عمراً ولذا كان الحديث معهما صعباً. حاولت مجاراتهما، سألت أحدهما: ماذا تكون هوايتك؟ أجابني بقلق: الكتابة. وضعت كوب القهوة جانباً، حدثته دون مزاح: حقاً! ماذا تكتب؟ أيعقل أن تكتب شعراً! -أكتب كل ما لا اسم له. تذكرتك .. سألته باستغراب: ماذا تقصد؟ -أكتب دون تفكير لذا فكل ما اكتبه لا اسم له. وفجأة رأيته يتحدث بسيل من الكلمات وكأنه كان ينتظر سؤالي هذا ليفتح جعبته المليئة بكل ما لم أتوقعه من جسد طفل. -لا أعلم حقاً ماذا أكتب وتحت أي مسمى يقع، لكنني أمضي ساعات كثراً وأنا ممسك بقلم حتى تعرق كفي وتحدودب إصبعي، ولكن ذلك لا يهم .. إن ما أكتبه لا اسم له .. وحدها الكلمات في قلبي والتي لا أستطيع كتابتها هي الأساس، في الحقيقة .. إن كل ما لا يقال هو الأساس، قال الجسد الصغير. أي طفل هذا الذي يتحدث بلغة مواربة ويترك لي زوبعة الجمل المليئة بالغبار! أتستطيع أن تريني بعض كتاباتك؟ سألته وأنا أتفحص عينيه اللتين فاضتا دمعاً فجأة، وكأن ما قاله انتزع شوكة من قلبه، لكن أثرها لا يزال باقياً، هرع إلى حضني يبكي وهو يسألني معالجة جرحه. حينها تأكدت أنه ليس طفلاً، بل هو عجوز.
#بلا_حدود