الجمعة - 17 سبتمبر 2021
الجمعة - 17 سبتمبر 2021

التفكير الجانبي بين التجديد والإبداع (1 ـ 2)

ثمة تربويون وباحثون ينادون اليوم بالتخلص والتحرر من التفكير المنطقي والذي يسمى (التفكير العمودي)، وينصحون العامة والخاصة بنسيانه. والتفكير عملية يومية مستمرة، مصاحبة للإنسان بشكل دائم، ونمط التفكير هو المؤشر لشخصية الإنسان، وهو ابنها الشرعي الذي يمثلها أصدق تمثيل، وإذا فهمنا نمط تفكير الطرف الآخر تعرفنا إلى أبعاد شخصيته وخصائصها. وحيث إن معظم الناس يعتقدون أن التفكير التقليدي العمودي هو الطريقة المثلى الوحيدة المناسبة والفعالة، لذا ظهر ما يسمى بالتفكير الجانبي (lateral thinking) ومصطلح (Lateral) يعني الأصالة أو الإبداع أو الحداثة، ويعني محاولة حل المشاكل بأساليب غير تقليدية. وقد أدخل هذا المصطلح قاموس أكسفورد في طبعاته الأخيرة. وله فوائد كبيرة في توسيع رقعة الخيال، والتفكير بالاحتمالات الكثيرة، لذلك فهو ينمي العقل باتجاه التفكير الموسع، ويساعد هذا النوع من التفكير أساساً في تنمية مهارات الذكاء بشكل أكبر. والحقيقة أن هذين النوعين من التفكير يعتبران نمطان متكاملان، إذ نلجأ للتفكير الجانبي عندما يعجز التفكير العمودي عن إيجاد حل لمسألة تحتاج إلى فكرة جديدة، فالعمودي هو تفكير الاحتمالية العليا التي لا نستطيع ممارسة حياتنا اليومية بدونها، لأننا سنضطر لتحليل كل تصرف أو حدث، أي لا نسلم جدلاً بأي شيء مهما يكن، وبهذا نضيع الكثير من طاقاتنا في التحليل المنطقي. ويمكن تشبيه ذلك، بمياه نهر تنحدر للأسفل، سالكة طريقها في سرير النهر، كفعل (التفكير العمودي) عندما يأخذ أفضل الطرق الممكنة، موسعاً مجراه، وجاعلاً إياه الطريق الأعلى احتمالية يوماً بعد آخر، في حين يحمل (التفكير الجانبي) احتمالية أدنى، ويحاول أن ينسق قنوات جديدة لتغيير مجرى المياه، ويضع السدود في طرق القنوات القديمة، على أمل إيجاد مسارات أسهل للماء، وأحياناً يسحب الماء للأعلى بطريقة غير عادية. وارتبط التفكير الجانبي بالمفكر العالمي (إدوارد ديبونو) الذي ابتدع هذا المصطلح حديثاً، والذي هو رؤية جديدة للإبداع بدون تقيد لطرح الأفكار، سواء من حيث المهارات الإبداعية أو الاستراتيجيات المستخدمة لتحقيق المهارات، فهو نمط إبداعي موحد ومتكامل، يساعد الأفراد على إنتاج طرق جديدة من التفكير، أو أدوات صنع القرار سوف ينعكس تعلمه على طريقة أدائنا للمهام اليومية، حيث ستتسم بالسرعة والدقة والجودة العالية (De bono,2006:17). وأصل مصطلح (التفكير الجانبي) مأخوذ من (الأفرع الجانبية) للشجرة، والتي تسمى Lateral Branches. بمعنى أن (إدوارد ديبونو) شبه طرق توليد الأفكار المبدعة بالشجرة أو النهر الذي يتفرع لأفرع جانبية. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما علاقة التفكير والإبداع بالشجر والتفرعات الجانبية؟ عندما تذهب -أخي القارئ- لتشتري مثلاً حذاءً جديداً، أمامك خياران، إما أن تذهب لمحل محدد لتشتري منه الحذاء، وحينها ستسير في خط مستقيم متبعاً مبدأ «أقصر مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم»، بمعنى أنك سوف تسير بشكل مباشر، بدون الاتجاه، يميناً أو يساراً. وهذا ما يحدث عندما تفكر بشكل مباشر، أو تفكر تفكيراً تحليلياً تقاربياً، ويسمى هذا النوع من التفكير العمودي (Vertical Thinking). الخيار الثاني لشراء الحذاء، هو التسوق والسير في الشوارع، ولو رأيت محلاً في شارع جانبي ستدخل الشارع الجانبي ثم تعود للشارع الذي كنت تسير فيه من الجهة المقابلة. فلو رسمت خط سيرك ستجده خطاً رئيسياً، تتفرع منه خطوط في كل الاتجاهات بشكل تباعدي، ويمكن تشبيه هذا المسار بالشجرة المتفرعة أو النهر المتفرع. وهذا ما يحدث عندما نفكر بشكل تباعدي، وهو ما يسمى بالتفكير الجانبي (Lateral Thinking). ويرى علم الأعصاب المعرفي أن العقل ينظم المعلومات التي ترد إليه، عن طريق تشكيل نماذج عصبية تمثل هذه المعلومات، ويمكن استدعاؤها حين الطلب. هذه الطريقة في معالجة المعلومات تجعل العقل يتمتع بمزايا إيجابية في التفكير، منها: الفاعلية والسرعة في التعرف إلى المثيرات والتفاعل معها.
#بلا_حدود