الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

مذكرات سائحة (9) نهاية العالم (2 ـ 3)

أكملنا طريقنا متبعين لوحة تشير إلى نهاية العالم (الكبرى) وبعد أن قطعنا مسافة سير لم تكن بالكبيرة مقارنة بما قطعنا من قبل، وصلنا فإذا هي المشهد نفسه.. أخبرونا لاحقاً أنه على حظنا قد تبددت الغيوم التي كان من المفترض أن نراها تغطي المشهد في الأسفل كما يفعل بساط القطن، بحيث تنقطع عيوننا عن رؤية شيء غير السحب ولهذا سميت بنهاية العالم.. هل نحن الآن نسلك طريق العودة؟ يبدو طريقاً مستقيماً.. سرنا عليه ولا أشجار تظللنا والأرض مستوية. تبين لنا أننا ندور في دائرة مع عقارب الساعة، فالطريق التي نعود منه الآن هو نفسه الطريق الأيمن عند متفرق الطرق. ما زلنا نقطع الدرب قطعاً، بلا جديد أو مثير حتى سمعنا صوت الماء! من أين هو يا ترى، أخذنا نطلق أبصارنا حتى رأينا شلالاً متوارياً خلف التلال.. شلالاً كبيراً يضخ الماء ضخاً.. قال أبي: ننزل الشلال ونجلس نستريح. قلت: ونعم الرأي. وصلنا قريباً من الشلال وأخذنا طريقاً فرعياً من المسار الرئيس، ولم يكن واضح المعالم ومعبداً كما يجب، حتى انتهى بنا إلى ماء راكد. فأين الشلال! لا طريق إليه.. أخذت أفكر مع أبي بمخنا العربي الذي إذا خطرت له فكرة تحتم عليه تحقيقها، غير آبهين بالقوانين، والطرقات المرسومة. فتوصلنا للنتيجة نفسها معنا، نعود إلى المسار الرئيس نمشي بعض المترات إلى الأمام ثم ننعطف من جديد ونمشي بين النباتات حتى نصل إلى الشلال. وكانت مجازفة بحق ونحن نرى أقدامنا قد غاصت في الحشائش وغطت من طولها سيقاننا، فلو ظهرت أفعى في المكان للدغتنا.. ولكن الغريب أننا لم نشعر حتى بالحشرات في هذا المكان، كأن لا حياة.. أدركنا أن من العقل العدل عن هذه الفكرة، فقد بدت أصعب وأخطر مما تبدو والجلوس على قارعة الطريق يؤدي الغرض ويضمن السلامة. وبعد أن ارتحنا أكملنا مسيرنا وكنا نظن أن لا مزيد من المفاجآت! على نحو نصف كيلو أو ربما كيلو.. سمعنا صوت الماء مجدداً.. هذه المرة شلال ضخم، جميل للغاية.. ونقول سبحان الله، كيف يكون في منظر الماء وصوته ارتواء للروح حتى وإن كانت لم تستقي منه. يتملكنا العطش، ونعلم أننا لن نشرب منه، ولكنها كما المشاعر فطرية في الإنسان إذا رأى الماء شعر بالابتهاج والفرج.. بدأت الشمس بالارتفاع وهنا بدأت أشعر بمعنى السفر.. وتدور في ذهني تأملات كثيرة .. إنني الآن أسير في طريق مستقيم، إن حدت عنه ربما هلكت.. وإن ارتحت ما وصلت، وفوقي شمس وأنا عطشى والطريق ما زال طويلاً. ما زلنا نسير حتى إذا وصلنا غابة لا نعلم أين الطريق فيها! لا تبدو فيها آثار تهيئة طريق ولا حتى لوحات، اجتهدنا بأن ننزل تحت جذع أو بين ساقين متقاربتين -لا أذكر-، ومن ثمة وجدنا الطريق. كان في منتصفه رجل صيني بدين جالس، قد بدت عليه آثار الهلاكة. سأله أبي عن حاله وهو يظن أننا نسأله الطريق فهو لا يجيد الإنجليزية .. أشار يمينه فقال out وأشار أمامه ثم أصدر من فمه أصواتاً مضحكة يقصد بها شلالاً! قال أبي تنزلين؟ وكنت قد بلغت من الإعياء مبلغه، ورأيت الطريق فإذا هو طين وجذوع أشجار. قلت: لا، أشعر أن قدميّ لا تتحملان أكثر. فصحيح منظر خلاب وفرصة لا تعوض، ولكن. مشينا في طريق الخروج وانتهى بنا إلى مكان للنزول.. قال أبي مهلاً يستحيل أن يكون هذا هو الطريق، فإن علينا أن نصعد لا أن ننزل! ـ مدونة: سرمدية النقاء https://sarmadiya.com
#بلا_حدود