الاثنين - 20 سبتمبر 2021
الاثنين - 20 سبتمبر 2021

رسالة مربكة

يدخل الأستاذ قاعة المحاضرة، ويكتفي بإطلاق قذائف مرئية عبر عينيه اللامعتين كالعادة على الطلاب والطالبات حتى يصمتوا، يجلس خلف طاولته وينادي على أسماء الطلاب والطالبات ليتفقد الحضور والغياب، يقف بعدها بسرعة وهو يمسك بالقلم ويكتب على السبورة بخط كبير وعريض «إنجازات علماء المسلمين». يبدأ الأستاذ درسه قائلاً: «في تراثنا الإسلامي .......»، وبينما كان الأستاذ غارقاً في شرحه وإسهابه عن علماء المسلمين، توقف قليلاً حين رأى طالبة تتسلل إلى القاعة وتجلس على مقعدها دون إذن ولا اعتذار عن التأخير، أكمل الأستاذ شرحه محاولاً تجاهل ما جرى وقال: «ولعل من أشهر علماء المسلمين الذين كان لهم دور كبير في نهضة وعزة الأمة الإسلامية ...». التفت إلى زميلي سعيد الذي يجلس عن يميني فرأيته يخفي تحت كتاب المادة دفتراً يحل عليه واجب الرياضيات، أما زميلي علاء الذي كان يجلس على يساري فقد كان مستمتعاً بمتابعة مباراة رياضية على جهاز جواله (الآي فون)، كان قد مضى على المحاضرة ربع ساعة وبدأ الطلاب والطالبات يشعرون بالملل، بينما أستاذنا الفاضل يكمل لنا الدرس عن إنجازات علماء المسلمين قديماً. قررت حينها أن أفتح كتاباً استعرته من مكتبة الجامعة لأتسلى به بعد أن شعرت بالنعاس والملل، وما هي إلا لحظات حتى تلقى ظهري من الخلف وكزة إصبع خفيفة، لقد كان زميلي سالم يسألني عن اسم (النك نيم لبلوتوث هاتفي)، لم أعلم سبب استفساره، لكني أخبرته بأن البلوتوث مغلق، وبينما كان الأستاذ يحاول جاهداً أن يلفت انتباهنا إلى نقطة مهمة، وصلتني رسالة نصية أيقظت شاشة جوالي من سباتها، فتحت الرسالة وإذا بصديقي العزيز يكتب لي: «لا تنس أن تمر على المطعم وتشتري لنا وجبة غداء». وحينما كنت مشغولاً بالرد على رسالة صديقي، كانت أذناي تسترقان السمع لصديقي سالم ومحمود، وكان سالم يسأل محمود ويقول له: - هل تعرف من هي دلوعة أهلها؟ - لا .. من هذه؟ - أرسلت لي رسالة عبر البلوتوث تريد أن تتعرف علي. وبينما كنت مستمتعاً بقراءة كتاب (نهاية العالم)، فاجأني الأستاذ حين تقدم مني وطلب مني أن أقدم له اقتراحاً لدواء يساعد شباب اليوم على إعادة أمجاد الأمة، ولأني لم أكن حينها أرغب في تقديم طرق واقتراحات لكلام فارغ لا يسمن ولا يغني من جوع، أجبت على السؤال بسؤال مضاد وقلت له: «إن مشكلتنا ليست في الدواء، ولكن مشكلتنا في أننا نعجز ونخاف أن نشخص الداء الحقيقي الذي قد أصاب أمتنا». أعتقد أنها كانت ضربة موفقة مني، واستطعت الإفلات من سؤاله حين فهم الأستاذ ما أقصده، عاودت مرة أخرى أسترق النظر إلى الكتاب الذي بين يدي، ولكن زميلي عبدالرحمن تقدم حينها من الصف الأخير، وجلس خلفي تماماً، وأراني رسالة غرامية وصلت له من إحدى الطالبات في المحاضرة، وطلب مني أن أكتب له رداً مناسباً عليها، بدأت أفكر بكلمات جميلة لأكتبها له وأنا أحاول أن أكتم ابتسامة خلف شفتيَّ لأني كنت أعلم من الذي أرسل الرسالة له، وقبل أن أنهي كتابة ردي على الرسالة، أعلن الأستاذ نهاية المحاضرة وسمح لنا بالانصراف بعد أن عجز عن إسكات الطلاب والطالبات في ربع الساعة الأخير من الدرس، وعند خروجي مررت بجانب عبدالرحمن وماهر وكانا يتشاجران، وعلمت أن عبدالرحمن اكتشف أن رسالة الغرام التي وصلته لم تكن من إحدى الطالبات، بل كانت من زميلنا ماهر، ابتسمت حزناً على حالنا المأساوي، وتذكرت سؤالاً كتبه الأستاذ على السبورة يقول فيه: (هل سيكون شباب اليوم قادراً على إعادة أمجاد الأمة من جديد؟).
#بلا_حدود