الاثنين - 27 سبتمبر 2021
الاثنين - 27 سبتمبر 2021

لحظة مسروقة

في عصر ما بعد الحداثة يعاني الإنسان الخواء واغتراب الذات عن المعنى، فتنقلنا اللحظة الحالية المفعمة بالأحداث إلى لحظةٍ أكثر إثارة دون توقف، لنتأمل ما حولنا أو نرسب جمال الكون فينا، لنخرج أجمل ما فينا من قيم وتسامح مع الكون والإنسان أو نفحص اللحظة التي مضت لنتعلم من أخطاء الماضي أو نقرأ تجارب الآخرين أو نغوص في كوامن النفس لنخرج فجورها وتقواها، فأضحى الإنسان ممزقاً ومشتتاً، ويعاني الفناء الداخلي والخواء بالمعنى الوجودي للكلمة. وفي لحظة مسروقة وقفت أمام لوحة فنية جميلة لفتاة أبدعها فنان بريشته التي تبث الحياة فيما حولنا، وتبعث الجمال داخلنا، فصورها تصويراً جميلاً.. فالقمر يخجل من جمالها، قمر ملتف بثوب الليل.. جمالٌ ساحرٌ أخاذ، تأسر القلوب وتذهب بالأفهام، وعندها تهرب الكلمات عجزاً وخجلاً، ويصبح الوقوف في حضرتها ضرباً من التجلي والترقي والسمو بالروح عن المادية التي طغت وقتلت فينا الجمال والفن، وتزداد تألقاً تحت الأضواء مع كثرة الناظرين إليها، وكأنها ترى جمالها بعيونهم، فتتبسم بسمة المنتصرة على نساء العالمين. هناك جمال نحس به، وجمال نعشقه، وجمال نجن به، ومن الجمال الكوني المادي المحسوس ننتقل إلى جمال المثل والقيم، وهي ملتفة بحجاب الإيمان، ومتسربلة بلباس العفة، فننتقل من جمالها الكوني إلى روعة المبدع الخالق فتنقلنا في رحلة الترقي من الكون.. ميدان الجمال الجزئي، إلى عالم الملكوت والجمال المطلق، فهو الذي أبدع وأحسن كل شيء خلقه. فعلاني الصمت في حضرتها، أكثف الجمال وأعتقه، فالجمال إحساس باطني ذاتي نحس ونشعر به دون أن نترجمه في رموز وحروف جامدة لا تحمل الجمال والمعنى في ذاتها.. وهكذا تموت الكلمات في محراب الجمال، ويصبح الصمت أبلغ اللغات، فاللغة لا تحتمل أن تحوي جمالها مجازاً وتشبيهاً، فالفن يبعث على الجمال والقلب محله والوجدان ميدانه والروح أفقه، فنسبح في أفق لا متناهٍ، يخلق من العالم عوالم، فيصبح الإنسان نفساً بلا جسد تحلق في ملكوت الجمال، ويصبح الفناء في الجمال بقاء. حتى العلم يحتاج إلى الجمال والفن، فالعالم يبدأ بخيال الفنان في ساحة الوجدان ووقود الرغبة وإشعاع الحاجة، فيشعل وقود العقل الكامن كمون النار في الحجر، فيرسم ملامح الفكرة قبل إخراجها لميدان العقل المجرد والرموز الرياضية الباردة الجافة، فالعالم يبدأ بفنان شاعر متوقد الإحساس وينتهي به رياضياً جافاً بارداً، ولا أحد ينكر قوة العلم في السيطرة على الطبيعة ليسخرها لمنفعة الإنسان رغم مرارته، ولكن ما يبعث على الجمال في العلم حين تحدق في الحقيقة أو تلامسها أو تقضي طيلة العمر على حافتها، فالجميل يرى كل شيء حوله جميلاً، والقبيح من قبح داخله.
#بلا_حدود