السبت - 18 سبتمبر 2021
السبت - 18 سبتمبر 2021

إعجاز القرآن الكريم في بناء السدود (1 ـ 2)

استوقف نظري في ما قرأت من تفسير القرآن الكريم آية من سورة الكهف، هي قوله تعالى (آتوني زبر الحديد). وهذه الآية الكريمة فيها من ثراء المعاني والإعجاز العلمي ما يوحي لفكر المتأمل بمعانٍ كثيرة غزيرة، ونجد الآيات في طي هذه الكلمات تثبت حقيقة علمية مؤكدة، وهي استخدام الصلب المغطى بطبقة من القطر، نظراً إلى مناعة هذه السبيكة ضد عوامل الكسر، والانهيار المفاجئ من ناحية، ولشدة متانتها الكبيرة من ناحية أخرى. يقول اللـه تعالى ـ قبل هذه الآية ـ مخبراً عن ذي القرنين (ثم أتبع سبباً) أي ثم سلك طريقاً من مشارق الأرض، حتى إذا بلغ بين السدين، وهما جبلان متناوحان بينهما ثغرة، يخرج منهما يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيها فساداً، ويهلكون الحرث والنسل. ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم عليه السلام، كما ثبت في الصحيحين، إن اللـه تعالى يقول (يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: ابعث بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، فقال: إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج). أخرجه البخاري ومسلم. وفي مسند الإمام أحمد: عن سمرة، أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم قال (ولد نوح ثلاثة: سام أبوالعرب، وحام أبوالسودان، ويافث أبوالترك)، قال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي الترك، وقال: إنما سمي هؤلاء تركاً، لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة. وذكر ابن جرير، عن وهب بن منبه أثراً طويلاً عجيباً في سير ذي القرنين، وبنائه السد وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم. ثم قال تعالى (وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً)، أي لاستعجام كلامهم، وبعدهم عن الناس (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً). قال ابن عباس: أجراً عظيماً، يعني: أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالاً يعطونه إياه، حتى يجعل بينهم وبينهم سداً، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير (ما مكني فيه ربي خير)، أي: إن الذي أعطاني اللـه من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، ولكن ساعدوني بقوة، أي بعملكم وآلات البناء. (أجعل بينكم وبينهم ردماً. آتوني زبر الحديد). والزبر: جمع زبرة، وهي القطعة منه، وهي كاللبنة. (حتى إذا ساوى بين الصدفين)، أي وضع بعضه على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى به رأسي الجبلين طولاً وعرضاً. (قال انفخوا) أي أجج عليه النار، حتى إذا صار كله ناراً، (قال آتوني أفرغ عليه قطراً). قال ابن عباس والسدي: هو النحاس المذاب. قال السيوطي عن الضحاك: الجبلان هما من قبل أرمينية وآذربيجان. وذو القرنين من اليمنيين الذين بنو إرم ذات العماد في صحراء الأحقاف أو صحراء عدن، ولم يكن رجلاً رحالة، يسير هكذا بمفرده، بل مكنه اللـه من أسباب كل شيء، ومعنى ذلك: أنه لم يكن وحده، بل معه جيش وقوة وعدد وآلات، معه رجال وعمال، معه القوت ولوازم الرحلة، وكان بمقدوره أن يأمر رجاله بعمل هذا السد، لكنه أمر القوم وأشركهم معه في العمل ليدربهم ويعلمهم ما داموا قادرين، ولديهم الطاقة البشرية اللازمة لهذا العمل. والحق تبارك وتعالى يقول (لا يكلف اللـه نفساً إلا ما آتاها). الطلاق: 7.
#بلا_حدود